افر اق اسم و
ET @ Arab Scientific Publishers RY
الدولة العثمانية
قراءة جديدة لعوامل الأنحطاط
د. ميس دواد العزاوي
الدولة العثمانية قراءة جديدة لعواسل الانحطاط
قیس جواد العزاوس
الدولة العتمانية قراءة جديدة لعوامل الانحطاط
الدارالترتبية للم لوم Arab Scientific Publishers
الطبعة الأولى 4 هھ - 1994 م
الطبعة الثانية 4 هھ س 2003 م
ISBN 84409-2-09002
ا ا ر الدارالترلبةللعلوؤم Arab Scientific Publishers عين التينة. شارع ساقية الجنزير, بناية الريم ھاتف: 786233 - 860138 - 785108 - 785107 )961-1( قاکس: 786230 (961-1) ص.ب: 13-5574 بیروت - لبنان البريد الالكتروني: 007.16. 382 @ 25° الموقع على شبکه الانترنت: ا|.45°.0077. http://www تمت الطباعة في: FF و
هاتف: 860138 (961-1) - بیروت - لبنان
الإهداء
إلى الصديق الصدوق أخي الد كتور شهاب الصراف الذي لولاه ما أنجزت هذا الكتاب.
معطيات أولية aA Eo الفصل الأول: نظام الامتيازات الأجنبية Se - ظروف إبرام نظام الامتيازات se ee RSS - طبيعة بنود الامتيازات Neo
AVONS SS E دوافع منح الامتيازات - A aS SS SOE نتائج الامتيازات -
ج اخفاق محاولات الإصلاح E TE
- النموذج الغربي للإصلاح BA - المواجهة الحاسمة ASS SE
- النتائج الاقتصادية للتنظيمات SES - جدول قرارات التنظيمات التي صدرت على مدى أربعين عاما ... الفصل الثالث: الوصاية الغربية على الأقليات الدينية ES نظام الملل العشماني AOuQBCcConcCBuCCCHORNHVTHRMaASECRRnGCEnrnvna“# - بداية الوصاية SS ESE
A ican eae ls نتانج ألوصابة -
- تظام الملل في خدمة الأعداء i, Re ORA الفصل الرابع ء تغلغل القوائين الوضعية عل حساب الشريعة الإسلامية NR onsite esas - المقدمات NOD ansaid aR oe - التشريهات N ASAE OR - علمنة المؤسسات VUE OES CSD eS E - اتساع حركة العلمنة Vn - aad - ديمومة الصراع IA oes الفصل الخامس؛ جذور الفكر القومي التركي E MCR -“ في المصدرية NYE Aorist - في التأسيس التظري EV SUIS MS - الانعكاسات وبدايات الكتابات القومية التركية (Wa e الفصل السادس : سياسة التتريك VE. EDS o - غلبة الدعوات الطورانية على حساب الراہطة العشمانية PQ cess - نهاية الدولة المثمانية NEE Assad as الهوامش VER, OSS ESOT SESS المراجع المربية NAE eR Aso SSSA الدوريات NN ERNE ESSERE الموسوعات VVE SSSR eS المذكرات والوثأئق (Vis, SSRs المراجع الأجنبية is ADRS الملاحق Vi STS eS Re
مقدمة
يعالج هذا الكتاب عوامل ضعف - هي في نظرنا- أساسية في عملية انهيار الدولة العثمانية. وعلى أهمية وخطورة هذه العوامل واستمرارية تأثيرها على الواقع العربي الإسلامي حتى يومنا هذا فإنها لم تنل حقها من الدراسة والتمحيص بسبب ديومة عئاية الباحثين بغاعلية عوامل أخرى. فقد انقسم الدارسون للمرحلة الأخيرة من تاريخ الدولة العشمانية إلى فريقين:
الأول قال بعخلف السلطنة واختفاء مبررات استمرار خلافة دينية» وسط عالم متطور من الدول القومية الحديثةء مشيرا إلى تعاظم الاستبداد السلطاني» وعدم توازن الدولة. وضعف إمكانات تطورها السياسية والاقتصادية» واستشراء الرشوة والفساد في جهازها الإداري» حتى أن آخر محاولات الإنقاذ التي عبرت عنها الشورة الدستورية عام ۱۹۰۸ لم تنفع.
أا الفريق الشاني» وهم المدافعون عن الدولة العشمانيةء فهم يعزون ضعف الدولة إلى عوامل خارجية أساسها الصهيونية والماسونية والإمبريالية. وهي ما سمي فيما بعد بالشالوث الشيطاني» الذي ما زال - في نظرهم - متربصا بالعالم العربي الإسلامي.
نحن إذن إزاء نظرتين لهذا التاريخ المتأخر لآخر امبراطورية إسلامية عرفها العصر الحديث؛ وهما نظرتان دافعتا عن طروحاتهما بمؤلفات عديدة ملأت عملياً سوق الثقافة التاريخية حتى تحددت بشكل غريب خيارات البحث العلمي» ولم تنجح أغلب الدراسات في الإفلات من إسار النظرتين. ولقد ساهمت الدراسات الاستشراقية لتاريخنا الإسلامي. في أغلب الحالات» في التدليل على طروحات بدت «علمية وأكاديية» نظرا لمتانة توثيقها المرجمي ومنهجيتهاء ولكنها راوغت بذكا ء فأبتعدت كلما استطاعت عن كل ما يتعلق بأهمية وفعالية الدور الخارجي في إضعاف الدولة العشمانية وانهيارهاء بل عزت استمرار التخلف والانهيار إلى بطء مسيرة الامبراطورية للالتحاق بعجلة الحضارة الغربية والأخذ بآلياتها وبأيديولوجيتها معاً. وعليه» جد
المستشرقين يكتبون بإعجاب - وما زالوا - عن الدولة القومية التركية التي أسسها أتاتورك رغم علمهم بأزمات هذه الدولة في مجالات الهوية والتخلف والتبعية بعد أكثر من نصف قرن من التحاقها بالغرب كلياً.
وليس في متن هذا الكتاب ما بجعله منبرأ لوجهتي النظر المتعارضتين في قراءة التاريخ العشماني» ولا يسعى لتركيز نمط الكتابة السجالية ذلك أننا لا نرنو إلى التوفيق بين مواقف المدرستين. ولا ننكر وجاهة بعض ما أتت به المدرستان» غير أننا نبقى متحفظين إزاء كل محاولة للمغالاة والتطرف في تبني عوامل دون غيرها. لقد اجتمع ما يكني من أسباب لانهيار الدولة العشمانية. وكلها مسؤولة بقدر ما عن الانهيار؛ وكان ينبغي أن تنال قسطها من الدراسةء لكن بعضها قد هُمّش إلى درجة التجاهل لدى الفريقين. ولذلك سنقوم بدراسة هذا البعض من خلال إعادة قرا ءة الحدث التاريخي وقياس تأثيراته.
لقد استوجب القيام بهذا العمل اهتماما دام عقدا كاملا من الزمن. خصص جله للاطلاع والتحري في الكتب والوثائق العربية والأجنبية لاستجلاء أبعاد الاشكاليات المطروحةء وأعادة تركيب الحدث المدروس وتقويه ضمن سياقاته ألتاريخية وتفاعله وتأثره وتأثيره با لمجموعة المركبة المتكاملة لعوامل الانهيار الأخرى. إن إعادة القرا ة هذه حرصت على ألا تنزع من الحدث تاريخيته» ولم تقدمه عزل عن أطره السياسية وفضاءاته الاجتماعية» بل تعاملت معه کجزء من مركب متکامل.
وسيرى القارئ نتائج هذا المجهد في الاستعانة بالأطرالمرجعية المختلفة الاتجاهات. مع تبني نظرة نقدية تحليلية في التعامل مع هذه المراجع» بهدف إعطاء صورة متكاملة عن موضوع خضع طيلة الوقت للأيديولوجيات المتصارعة واستخدم ووظف سیاسیا بشکل کبیر.
إن القول براجعة نقدية لبعض الأحداث التاربخية ليس جديدا. ومع ذلك يبقى ضروريا. لا لسبب سياسي أو موقف أيديولوجي» واغا لسبب منهجي تاريخي» فلا بد من إعادة تقويم لتاريخنا الحديث» ولعوامل التجزئة ألتي تعيشها المنطقة» ولأسباب بؤسها وتخلفها الاجتماعي والسياسي معا. إن تقويًا منهجيا نقدياً هو أكثر من
ضروري» لأنه حيوي من أجل فهم أعمق من شأنه أن يحقق قوة الدفع المطلوية لتجاوز الكبوة الحضارية التي نعيشها.
وهناك بشائر عديدة تدعو للتفاؤل اليوم؛ فقد ازدهرت في الفترة الأخيرة الدراسات العشمانية» كما أن الإصدارات عن التاريغ العشماني تتدفق في المشرق العربي ومغربه» بل في العالم الإسلامي والغربي أيضا. ويكاد التاريخ العشماني الذي عت بشتى النعوت (معقد» مركب» غامض» متناقض... الخ) يكون اليوم حقلاً لتجارب نظرية تتبنى منهجيات عديدة تتعامل معه من مواقع فكرية مختلفة. وكل هذه الدراسات لها أهميتها وضرورتهاء لأنها تكشف في نهاية الأمر جوانب كانت حتى الأمس القريب غامضة» وتفك ألغازا من تاريخنا العربي الإسلامي الحديث. لنعلم على أية أرضية فكرية نقف. وتلك لعمري أولى مستلزمات خطروتنا اللاحقة الثابتة.
ومن نافلة القول أن نذكر أولاء وقبل كل شي»» الإشكاليات التي سنعالجها في هذا الكتاب» وكيف ستكون طرق المعالجة. فسنبحث في عوامل نعتبر أنها إما لم تدرس بشكل واف يتلام وحجمها ا مؤثر في تاريخ الامبراطورية. وإما أنها قيّمت ہشکل آخر کأن اعتہرت بدایات تقدم وعوامل نهوض وهي عکس ذلك کما سنوضح لاحقاً. ونقصد هنا مرحلة التنظيمات التي تبنت عمليات تحديث غير مخططة لمؤسسات الامبراطورية نتج عنها تغريب لبنى» وتشويه للعقائد والآفكارء وإجراء تحولات خطيرة أحقت الامبراطورية مع الوقت بأنظمة السوق الاقتصادية العالمية من جراء اكتشاف أميركة والسيطرة على تجارة البحار الشرقية.
سنهتم إذن. ويشكل أساسي» بعوامل محددة سنتعرض لها في ستة فصول
هي: - نظام الامتيازات الأجنبية. -التنظيمات.
- الوصاية الغربية على الأقليات الدينية. - تغلغل القرانين الوضعية على حساب الشريعة الإسلامية. - جذور الفكر القومي التركي.
۱۹
- سياسة التتريك والدعوة إلى قيام دولة طورانية على أنقاض الامبراطورية العشمانية.
إن أغلب هذه العوامل ما زال قائما في واقع الاجتماع والفكر الإسلاميين» ولو بأشكال مختلفةء لذلك فإن دراستها لا تساعد على معرفة أفضل لاتهيار الدولة العشمانية فقط. بل تساهم أيضا في تفسير التمزق الحادث في عالمنا الإسلامي اليوم.
وختاماء فإن ما نقدمه في هذا الكتاب ليس سوى محاولة مشل غيرها من المحاولات لها إيجابياتها وسلبياتهاء وتشكل جز من حالة الوعي التاريخي العامة التي بدأت تنتشر والحمد لله لاستجلاء إشكاليات الواقع العربي الإسلامي» فإن وُفقنا فيها فقد أدينا ما عليناء وإن أخفقنا فقد قمنا بواجب المحاولة ما استطعتاء والله ولي التوفيق.
المؤلف باریس» ۲١ کانون الثاني (ینایر) ٠۹۹٤
معطیات أولية
يريط بعض الدارسين للتاريخ العشماني بداية ضعف الامبراطوية بالصراع الدامي الذي نشب بين المؤسسة العسكرية (الانكشارية) والسلاطين''. ولكننا نعحقد بأن هذا الصراع جاء نتيجة لعوامل أخرى» فكان واجهة للضعف وليس الضعف نفسهء وإن الإشارة إليه دون بحث خلفياته هو هروب من التحليل ليس إلا. فهو واحد من سلسلة عوامل الضعف الداخلية التي توازيها بالأهمية - إن لم نقل أكثر منها - العوامل الخارجية. ويبقى أن أحدالم يقدم لنا دراسة عن هنا الصراع. فالجميع يكتفون بالإشارة إلى المرحلة التي تبعت هزانم الانكشارية أمام روسيا القيصرية. واضطرار السلاطين لتأسيس جيش عثماني حديث الأمر الذي أجج الصراع الدامي هذا ونقله إلى صراع وجود بين الجيش الجديد والانكشارية. بيد أننا نذهب إلى أبعد من ذلك فالصراع مع الانكشارية كان أولأ وقبل ظهور الجيش الجديد. صراعا مع السلطةء وعلى الرغم من أنه كان صراعاً عنيفا مدمرا؛ فإنه لم يحظ من المؤرخين باهتمام يوازي أهميته. إن دراسة خلفيات وآفاق هذا الصراع قد تكشف لنا حقائق جديدة في الكتابة التاريخية العثمانية. ولقد دهشنا ونحن نستجمع الأحداث وا لمعلومات وفق تسلسلها التاريخي» إزاء ما أحدثته معارك الانكشارية مع السلطة السياسية من أضرار على مستوى حياة القادة ومكانة الدولة ومؤسساتها. وقد أبرز لنا ذلك الأهمية العظمى لإعطاء موضوع مثل هذا حقه من الدراسة. وإذ نضع في مغناول الباحثين المهتمين هذه المعلومات أو «المعطيات الأولية» كي يواصلوا الطريق في البحث. فإننا والقون أنها ستكون مدخلا ضروريا لدراسة موسعة.
بدأ الصراع للمرة الأولى في عهد السلطان بايزيد الثاني (١۸۱٤۱-١١١٠م) حين ثار الانكشارية على الصدر الأعظم (رئيس الوزراء) فرماني محمد باشا فقتلوه ونصبوا ابن السلطان كركود نائباً عن أبيه ا لمتوفى. ولقد دام هذا الصراع الداخلي أكثر
من ثلائة قرون (١١١١-١۱۸۳م) واستمر طيلة حكم ثلائة وعشرين سلطانا عثمانيا من بایزید الثاني حتیى محمود خان الثاني.
إن ديمومة الصراع بين المؤسسة الاتكشارية - التي كانت تتمتع بتأييد المؤسسة الدينية - وبين السلطة السياسة. لم يضعف الدولة فحسب بل منعها من الفتوحات» وجملها تنحصر داخل حدودها. فتحولت مع الوقت من فاتحة البلدان إلى مدافعة ضعيفة تخاف سطوة آلتها العمسكرية» وبخاصة حين استفحل تدخل الانكشارية في السلطة إلى درجة أصبحوا معها يعزلون وينصبون الوزراء والسلاطين معاً. فقد عزلوا السلطان بايزيد الثاني ونصبوا ابنه سليم (۵۹۴٠-١۲١٠م) مكانه ومنعوا السلطان سليم من مواصلة انتصاراته على الدولة الصفويةء وأرجعوه قسرا إلى استانبول عام 4£ "صم. وتمردوا على السلطان سليمان القانرني ۰ 1011م( وقاموا بنهب قصر الصدر الأعظم إبراهيم باشا. واعترضوا موكب السلطان سليم الثاني (١٦۵١-٤۷١٠م). واشترطوا عليه لمواصلة موكبه إلى القصر دفع مكافأة مالية لهم فدفع مرغما. وتحدوا السلطان مراد الثالث (٤۷١٠-۹۵١١٠م)ء وقتلوا مسؤول أموال الامبراطويةء الباش دفتر دار ورئيس البكوات الضاجق محمد باشا بلكر الروملي» وعزلوا السلطان عشمان الثاني (۸١۹٠١-1۲۲١م) وقتلوه. وقتلوا الصدر الأعظم حسن باشا على عهد السلطان مراد الرابع (۱۹۲۲-١٤١١م)» كما عزلوا السلطان إبراهیم الأول (۰٤۸-۱۹٤١١م) وقتلوه. وقتلوا الصدر الأعظم سياوس باشا على عهد السلطان سليمان الثاني (۹۸۷٠-۱۹۹1م)ء وأخيرا عزلوا السلطان سليم الشالث (١۷-۱۷۸٠۱۸م). ونصبوا السلطان مصطفى الرابع (۱۸۰۸-۱۸۰۷م). وغضبوا عليه فعزلوه ثم قتلوه.
لقد أغرق هذا الصراع الحلبة السياسية العشمانية في دماء» حتى أنها لم تعد قادرة على النظر أبعد من دوامة التهديد الداخلية القاتلةء فانشغل السلاطين والوزراء بدرء التهديد الداخلي» وابتعدوا بل وأهملوا التحديات الخارجية» حتى أن الشفل الشاغل الأعظم لشمانية سلاطين"' من أحمد الشالث (۱۷۰۳۴-١۷۳٠م) حتى السلطان محمرد الشاني (۱۸۳۹-۱۷۸۰۵ء) انصرف إلى إيجاد طرق تجري فيها
\4
إصلاحات عسكرية من شأنها إضعاف وإلغاء الانكشارية. ولكي يحققوا ذلك استعانوا بكل الإمكانيات والحيل» بل أباحوا لأنفسهم في النهاية - وهنا يكمن الخطاً الاستراتيجي- الاستمانة بالعامل الخارجي» وذلك باستجلاب خبراء أوروبيين وقبول مساعدات واستشارات أوروبية للقضاء على الانكشارية.
لا يولي دارسون آخرون هذه الأهمية لعامل الصراع مع الانكشاريةء ولكنهم يعتمدون على ما نتج عنه» وهو لجوء السلاطين إلى «الإصلاح». فيربطون بين الإصلاح الذي بدأ في عهد السلطان أحمد الشالث (۳٠۷٠-١۷۴١ءم) واستعانته بخبراء أوروبيين لتشظيم الجيش الجديد وبين بدء التدخل الأجنبي في شؤون الامبراطورية العشمانية الذي تعاظم يوما بعد يوم فعجَل في انهيارها.
بيد أن هناك آراء أخرى في تحديد ضعف الامبراطورية العشمانيةء فهناك من يرى « أن المسلمين لم يتخلفوا في القرن التاسع الهجري» إلا لأنهم كانوا يسيرون سيرا عاديا من الناحيتين الحضارية والثقافيةء وقد يكون الخلل داخل قدراتهم العسكرية أو الاقحصادية. إلا أن ذلك لم يتحول إلى كارثةء بل إنه لم يكن ليتحول إلى كارثة لولا التقدم الأوروبي السريع... لقد تقدم الأوروبيون بخطوات سريعة مستفيدين من تجديد ديني (البروتستانتية) وعلمي (العلم الإسلامي والكلاسيكي) واقتصادي (الاكتشافات الجغرافية في الشرق والغرب) ثم عندما اطمأنوالقوتهم العلمية والاقتصادية والسياسية هاجموا الشرق» بل العالم كله وسادوا فيه»"'.
ونحن نتفق مع هذا التقدير ونضيف لنقول بأن قوة الدول الأوروبية انعمكست ضعفاً على الدولة العشمانية» وحيث أن القوي لا يسمح للضعيف بالاستقواء أو التطورء فقد حدث أن ضغطت الدول الأوروبية للحد من إمكانيات أي تطور عثماني يتم معزل عن تدخلاتها أو خارج سياقات نطها للتطور. ومع أن هذه الضغوط التي جرت معها مستلزمات التبعية العثمانية بضعة قرون قبل النهاية» فإن استمرار السلطنة حتى الحرب المالمية الأولى لم يكن كما يذكر البعض» بسيب دهاء بعض سلاطينهاء بل لعله يعود لعدم اتفاق أعدانها على طريقة اقتسام أملاكها.
ولا ينبغي هنا أن نتجاهل العواقب الوخيمة الناتجة عن الحروب التي دارت بين
الدولة العشمانية والدولة الصغويةء وكلتا الدولتين إسلامية» في وقت تکالب عليهما الأعداء. وللأنغاني في هذا الصدد نظرة نقدية لأنماط التحالف والتقاتل بين الدولتين. إذ يقول «إن العشمانيين قد اتفقوا مع الروس على مقاسمة البلاد الإيرانية حينما تغلب الأفغانيون على أصفهان أيام الشاه سلطان حسين... وأنهم جاهروا الإيرانيين بالحرب» وقد كان عباس ميرزا وجيوشه يقاومون الجيوش الروسية ويدفعونها عن بلادهم فوهنت قوتهم» وضعفت سريرتهم واستملك الروس» بسبب هذا الاقتحام» أكثر بلاد أذربيجان. ولو استشار العثمانيون عقولهم وقتئذ لأشارت عليهم بأن ضمف الإيرانيين وقوة الروس قد أديا إلى زعزعة أركان السلطنة التركية»“. ولم تكن الدولة الصفوية بأحسن حال من الدولة العشمانية. حين استغل الشاه عباس عام ۲٠١٠م انشغال الدرلة العشمانية بالحرب ضد النمسة» وبإحباط الثورات في شبه جزيرة الأناضول. فهاجم أرمينيا» وعندها وجد الباب المالي نفسه مضطرا إلى القخال على جبهتين: ضد الفرس» وضد النمساويين. وكانت حرب الفرس شديدة على الدولة العثمانية بسبب الثورات المتعاقبة ضدهم في آسيا الصغرى» وبسبب ترد جانبلاط الكردي في سورية. والأمير الدوزي فخر الدين المعني في لبئان"".
لا شك أن تلك العوامل قد ساهمت بشكل كبير في إضعاف الدولة العشمانية وتخلفهاء ولو شئنا لأضفنا إليها مجموعة آخرى درج المهتمون على ذكرهاء غير أننا نريد توجيه الأنظار إلى عوامل مارست» وما فتأً بعضها يارس حتى يومنا هذاء التأثير على النظر والعسل في عالمنا الإسلامي» فيفرق ويشتت» ويوهن ويغرب» ويغزو الفكر والوأقع» ويبعدنا عن كل ما يؤدي بنا لصواب السبيل.
الفصل الأول نظام الامتيازات الأجنبية
إذا كان ابن خلدون قد جعل للدولة أعمارا طبيعية كما للأشخاص.» فإنه لم ينس أن يربط عمر الدولة هذه بطبيعة الملك إذ يقول «إذا استحكمت طبيعة الملك من الانفراد بالمجد وحصول الترف والدعة أقبلت الدولة على الهرم»"". وإذا استدللنا من حكمة هذا الرأي بها حدث في الدولة المشمانيةء لوجدنا أن هذه الدولة وصلت إلى قمة مجدها وجپروتها في عهد السلطان سلیمان القانوني ۵٦٦-۱٤۹٥( ١م)» ومن بعده مباشرة بدأ التقهقرء أو كما يسميه محمد فريد بك «الانحطاط » وقد عزاه إلى:
- زيادة الشروة بسبب الفتوحات الكشيرة التي أورثت المفاخر في المصرف والتغالي في الزهو والترف.
- التغير الذي حدث على قيادة الانكشارية» حيث أوقف القانوني تقليدا عشمانيا يقضي بأن يتولى السلطان بنفسه قيادة ا لجيش الانكشاري في كل معاركه. ومن حيئه تقاعس السلاطين عن الخروج من قصورهم لقيادة الجيش.
- ترك السلطان سليمان القانوني إدارة شؤون الدولة إلى الصدر الأعظم. حتى أصبح تقليدا في الإدارة العشمانية كانت له سلبياته الخطيرة» فقد جعل السلاطين في عزلة عما يجري في الدولة إلا ما ينقل لهم من وشايات'".
وإننا إذ نتفق مع ما ذهب إليه محمد فريد بك في تركيزه على الأسباب السالفة الذكرء ننوه إلى أنه أغفل سببا خطيرا آخر لا يقل أهمية عن غيره» وهو استحداث ما سمي فما بعد ب «نظام الامتيازات الأجنبية». ونظرا لا لهذا النظام من عواقب وخيمة على الامبراطوريةء كما سثرى» فقد رأينا أن نخصص هذا الفصل لدراستهء بهدف استجلاء أسبابه وملابساته ونتائجه. ومن المفارقات المؤلة أن يكون
هذا النظام هو الآخر من «إنجازات» سليمان القانوني» وگم هي حكمة مدهشة أن يعقب ذروة المجد في عهد سليمان القانوني الانحطاط مباشرة.
ظروف إبرام نظام الامتيازات
بدا العمل بنظام الامتيازات الأجنبية عام ١۳٠٠ء على أثر تحالف عقده السلطان سليمان القانوني مع نائبة ملك فرنسة ووالدة فرانسوا الأولء وقد تم هذا التحالف في ظروف خاصة جدا. فحين واجه فرانسو! الأول شارل كوين (شارل النامس) ملك النمسة وإسبانية وهولندة وألمانية الذي كان يحاصر فرنسة من كل الجهات» هزم ملك فرنسة في هذه الحرب وأسر وسيق إلى مدريد وسجن هناك في أحد القصور. حينها أرسلت أمه «لويز سافوا» الكونت جون فرانجيباني إلى السلطان سليمان' القانوني ورجته تخليص ابنها. وقد أجير شارل كوين السجين فرانسوا الأول على توقيع معاهدة مدرید في ۱٤ كانون الثاني (يناير) م ذات الشروط المجحفة لقا ء أطلاق سراحه.
وكانت رغبة فرنسة أن يتدخل السلطان العثماني لفك الحصار عن فرنسة وذلك بمحاربة المجر. ولقد حدث ذلك بالفعل؛ حين فتح السلطان المجر في ١١ تشرين ثاني (نوفمبر )١١١١م ووصلت حدوده إلى النمسة وتشيكسلوفاكية. ودخلت الدولة العشمانية للمرة الأولى بين دول أوروية الوسطى 7. وهو ما أتاح لغرنسة «البروز كدولة قومية خلال القرن السادس عشر, فالأسطول التركي في غربي البحر المتوسط كان يحمي جناح فرنسة الجنوبي ضد أي هجوم يشنه أعداؤهاء عا أتاح للوكها تركيز قوتهم في الشمال وتأمين حدود فرنسة القومية»“. فإذا كان للدولة القومية الفرنسية وجود اليوم» فإن الفضل يعود للمسلمين الذين حاربوا لحماية الفرنسيين ومنعوا تجزأتهم وهيئوا القرصة لرجودهم القومي.
توج هذا التحالف بهبة سلطانيية جديدة» بعد عشر سنوات من التحألف العمسكري والسياسي العشماني الفرنسي» وبعد العمل العثماني الدؤوب لحماية فرنسة من عمليات التوسح التي سعى لها شارل كوين (الخامس)» وضربه من قبل السلطان
A۸
في جبهتين: أوروبة الوسطى التي تولاها هو» والبحر المتوسط» حيث أوكل مهمتها إلى خير الدين بربروس. فبدل أن يحصل السلطان من فرنسة على امتيازات لقاء ما قدمه من خدمات لهاء حدث العكس عندما وافق على منحها امتيازات تجارية كان لها آثار سياسية وقانونية كبيرةء وفق معاهدة وقعها سفير فرنسة في الآستانة آنذاك المسيو جان دي لافين مع سر عسكر السلطان سليمان القانوني في شباط (فبرایر) ١۱۵۳م» وسميت منذ ذلك الوقت ب «نظام الامتيازات الأجنبية».
ومن المعروف أن منح الامتيازات للأجانب لم يكن عملا مذمرما آنذاك ولا ينتقص من السيادة العشمانية. بل إن هذا النظام لم يكن جديدا أيضاء فقد سبق وأن كان معمولاً به - ولو بصورة ضيقة - مئذ العهد البيزنطي. وعندما سقطت القسطنطينية على يد محمد الفاتح» أقر الأخير الامتيازات التجارية التي كانت قد حصلت عليها البندقية وجنرة في المهد البيزنطي» كما سمح لباقي المدن الإيطالية بالاستفادة من ذلك» بهدف تشجيع التجارة الخارجية مع أوروبة والشرق عموما. وحيث أن هذه ا لمنحة السلطانية قد تطورت وتعقدت مع الوقت حتى تحولت إلى قيود تكبل السلطنة داخلياً وخارجيا. لذلك سنحاول أن ندرس طبيعة بنود هذه الامتيازات ودوافع منحها ونتائجها.
طبيعة بنود معاهدة الامتيازات اشتملت المعاهدة على ستة عشر بندا*. أكشرها إجحافا بحق العثمانيين هي البنود الراب والخامس والسادس والسابع. فقد أتاحت لفرنسة تحقيق مصالح تجارية وسياسية وقضائية لم تكن تحلم بها أية دولة أوروبية. ينص البند الرابع على أنه «لا يجوز سماع الدعاوى المدنية التي يقيمها الأتراك أو جباة الخراج أو غيرهم من رعايا جلالة السلطان ضد التجار أو غيرهم من رعايا فرنسة أو الحكم عليهم فيها ما لم يكن مع المدعين سندات بخط المدعى عليهم أو حجة
# يكن الرجوع إلى نص العاهدة كاملا في ملاحق الكتاب.
ا
رسمية صادرة من القاضي الشرعي ا القنصل الفرنسي» وفي حالة وجود سندات أو حجج لا تسمع الدعاوی أو شهادة مقدمها إلا بحضور ترجمان القنصل ».
ونص البند الخامس على أنه «لا يجوز للقضاة الشرعيين أو غيرهم من مأموري الحكومة العشمانية سماع أي دعوى جنائية أوالحكم ضد تجار رعايا فرنسة بناء على شكوى الأتراك أو جباة الخراج أو غيرهم من رعايا الدولة العليةء بل على القاضي أو المأمور الذي ترفع إليه الشكوى أن يدعو المتهمين بالحضور للباب العالي محل إقامة الصدر الأعظم الرسمي».
أما البند السادس فيذكر أنه «لا يجوز محاكمةالتجار الفرنساوبين ومستخدميهم وخادميهم فيما يختص بالمسائل الدينية أو السنجق بيك أو الصوباشي أو غيرهم من ال مأمورين» بل تكون محاكمتهم أمام الباب العالي».
وأخيرأً فإن البند السابع يسامح الفرنساوي في سرقته للعثماني فيذكر «لو تعاقد واحد أو أكثر من رعايا فرنسة مع أحد العشمانيين أو اشترى مئه بضائع أو استدان منه نقوداً ثم خرج من الممالك العشمانية قبل أن يقوم بأ تعهد به فلا يسأل القنصل أو أقارب الغائب أو أي شخص فرنساوي آخر عن ذلك مطلقاء وكذلك لا يكون ملك فرنسة ملزماً بشي ء».
وكما هو واضح فإن النصوص تدل على تنازلات قانونية تتعلق بالسيادة العثمانية على أراضيها دون ذكر لأية معاملة بالمثل على سبيل التكافو بالعلاقة. وبالإضافة إلى ما سبق من بنود فقد اشترط فرانسوا الأول أن يكون لبابا روما وملك إجلترة وملك إيقوسية (اسكتلندة) الحق في الاشتراك يمنافع هذه المعاهدة لو أرادوا.
استمرت المعاهدة نافذة المفعول حشى قام ابن فرانسوا الأول (هنري الشاني) بتعزيزها مضيفا لها معاهدة جديدة مع السلطان سليمان القانوني عام ۴١٠٠م متعلقة بالحرب البحرية. والأخطر من كل ما سبق أن تقليدا جديدا سمح به السلطان حين أتاح لسغير فرنسة المسيو جبريل درامون زيارة بيت المقدس ومقابلة الرهبان والقساوسة. وجعل جميع الكاثوليك المستوطنين بأراضي الدولة العلية تحت حماية فرنسة ".كما جددت مرة أخرى مع شارلالتاسع ملك فرنسة في سنة ۹١١٠م
الاتفاقيات التي تمت بين الدولتين في عصر السلطان سليمان» وأيد السلطان سليم الامتيازات القنصلية وزاد عليها امتيازات أخرى أهمها معافاة كل فرنساوي من دقع الخراج الشخصي ؛ وأن تكون المراكب العشمانية ملزمة مساعدة ما يرتطم من السفن الفرنساوية على شواطى الدولة ويحفظ ما بها من الرجال والمتاع. وبذلك صارت فرنسة ملكة التجارة في البحر الأبيض المتوسط وجميع البلاد التابعة للدولة. وأرسلت تحت ظل هذه المعاهدات إرساليات دينية كاثوليكية عدة إلى كافة بلاد الدرلة الموجود بها مسيحيون خصوصا في بلاد الشام لتعليم أرلادهم وتربيتهم على محبة فرنىة. وهو أمر وضع اللبنات الأرلى وبشكل قانوني ورسمي للوصاية الفرنسية على المسيحيين في بلاد الشام؛ هذه الوصاية التي نكبت الدولة العشمانية عهد ذاك» وما زالت آثارها ماثلة حتى يومنا هذا.
أما باقي الدول الأوروبية وبخاصة إجلترة فقد تأخرت نظرياً في تتعها بنظام الامتيازات الأجنبية» غير أن سفتها - من التاحية العملية - كانت تدخل الموانىء العشمانية تحت راية العلم الفرنسي» وهو ما أتاح لها الاستفادة ما كانت تتمتع به فرنسة. ومع ذلك «فقد انضمت إنجلترة إلى معاهدة الامتيازات عام ١۱0۷م كما انضمت هولندة عام ۲١١٠م وتبعتها دول أوروبية أخرى»0١).
دوافع منح الامتيازات
عاشت السياسة الخارجية العشمانية في أحلام عديدةء كانت سبباً في توجهاتها وتحالفاتها طيلة عقدين من الزمن. فخلال مواجهتها العدو الرئيس لها شارل كوين ظهر مارتن لوثر الذي مزق الوحدة الكاثوليكية الأوروبية وانتشر مذهبه بسرعة فائقة وتحولت دول أوروبية عديدة إلى ا مذهب الجديد. وقد شن لوثر حرياً ديئية من داخل أوروبة على الكاثوليكية» وحارب شارل كوين وخرج على سلطة الباباء وكان ذلك عاملا مساعدا للفتوحات التي قام بها العشمانيون في أوروبة الوسطى. فمن ناحية أرادت السلطنة أن تستفيد من هذه الحرب المذهبية القائمة بين الكاثوليك والبروتستانت» وسعت لبناء علاقات متميزة مع البروتستانت مبينة لهم التشابه بين
1١
البروتستانعية والإسلاء٠. ومن ناحية أخرى استخدمت من تحالفها مع فرنسة ورقة رسمية تسمح لها بصورة شرعية بالتدخل العسكري لمحاربة شارل كوين. وحتى أن عملية تجديد معاهدة الامتيازات الممنوحة لإنجلترة عام ۳م کانت مدروسة على أساس تحبيدها أو التحالف معهاء إذا أمكنء ضد النمسة. لكن رغبات السلطنة شيء ومجريات الواقع الأوروبي شي آخر فالحلفاء الأوروبيون كانوا يفكرون بصالحهم وبوحدتهم الدينية ويخشون في الوقت نفسه من التوسع الإسلامي. وعندما أعلن البابا النفير العام لمواجهة الإسلام في أوروبة تجمعوا كلهم رغم خلافاتهم في جبهة واحدة.
وقد يكون التبرير الذي يسوقه بعض المؤرخين من أن سليمان القانوني قد منح الامتيازات لفرنسة وبريطانية وهولندة لأنه يريد دعم هذه الدول خلال نضالها ضد باب روما وهابسبورج النمسة)مقبولا لولا أنه يتعارض بعض الشي» مع الوقائع التاريخية. وذلك لأن ملك فرنسة - كما أشرنا سابقا - كان قد اشترط في نهاية المعاهدة إضافة بابا روما وملك إنجلترة للاتتفاع بهذه المعاهدةء فكيف إذن يناضل ضد البابا ويطالب بالوقت نفسه منحه الامتيازات نفسها التي حصل عليها وموافقة سلطانية !! ومن ناحية ثانية لا يكن إغفال سعي البابا إكراما لوحدة المسيحيين في أن يضغط على كل من شارل الخامس وفرانسوا الأول ليضعا حدا لقتالهما بهدف أن تخحد أوروبة من جديد ضد الإسلاء'"'. وكانت خيبة أمل السلطان كبيرة وهو يرى حلفا م المشركين (الأوروبيين) يتنكرون لعاهداتهم معه عندما يحققون مصالحهم في أوروية ٠١ ذلك أن البابا قد اعتبر التحالف الفرنسي العشمانبي فضيحة كبرى فى أوروبة المسيحية.
وفي سياق البحث عن مبررات لإبرام الامتيازات. يرى أحد الدارسين بأن الدولة العشمانية قد استفادت بتقديم الامتيازات لفرنسة «إذ أن العلاقات الوطيدة مع فرنسة سوف يترتب عليها المزيد من التأثير في شؤون أوروبة الغريية» وبوجه خاص في إيطالية. كما أن منع الامتيازات لفرنسة من الممكن رؤيته كمحارولة لحث فرنسة على عدم الاشتراك في العمليات البحرية المسيحية التي يقودها شارل الخامس ضد الدولة
۲۲
العثمانية في البحر المتوسط » .١١
اريت ان للدولة العشمانية رغبة قوية في أا » دور سياسي وعسکري مهم على الساحة الأوروبية لأسباب عديدة» ولكن منحها للامتيازات لم يكن - في نظرنا - لتحييد فرنسة في العمليات البحرية. وذلك لأن فرنسة - قبل إقرار الامتيازات ويعدها أيضا - كانت تعاني من حصار عسكري محكم فرضه عليها من كل الجهات شارل كوين» ويعد استنجاد فرنسة بسليمان القانوني زحف الأخير على المجر لكسر الحصار على فرنسة على راس جیش کبیر عام ١۱۵۲م» احتل مدينتي بودا ویست» وقتل ملك المجر في المعارك» وتشتت جهود الأعداء المحاصرين لفرنسة. فالتحالف المسكري بين السلطنة وفرنسة قد سبق معاهدة الامتيازات بعشر سنوات. وتم بناءٌ على طلب نجدة فرنسية وليس العكس. وقد كان العثمانيون يدافعون عن جنوب فرنسة وأساطيلهم تستعرض قوتها في البحر المتوسط» بل إن العشمانيين قد ساعدوا فرنسة بالهجوم بحرا على جنوب إيطالية في حين هاجمت القوات الفرنسية من الشمال برا وذلك عام ۳۷١۱م. وفي عام ۳٤۵٠م لجا فرانسوا الأول من جديد لطلب النجدة من السلطنة لكي يرد هجوم إيطاليا على جنرب فرنسة. ويعترف المؤرخ الفرنسي جون بيرأجر المتخصص في تاريخ الامبراطورية الهابسبورجية بأن سليمان القانوني لم يتردد حينها في صرف مبلغ مليون دوكة لكي يسلح أسطول خير الدين باربروس المكلف بالدفاع عن جنرب فرنسة. لقد دهش المراقبون الغربيون -كما يضيف المؤرخ - لأن مداخيل الامبراطورية قد سمحت لها بتسليح ٠٠١ سفينة شراعية» في حين لم يتمكن فرانسوا الأول من تسليح أكثر من ٠١ سفينة وبصعوبة كبيرة ().
نحن نورد هذه الحقائق التاريخية المعروفة حتى نؤكد عدم صحة الادعاءات الأجنبية التي تلوي عنق الوقائع التاريخية لتعطينا صوراً مشوهة لتاريخنا الإسلامي. فبدل أن تعترف بأفضال المسلمين على فرنسة تبرر الواقعة التاريخية بعكسهاتماما.
وأخيرا نأتي إلى تقدير المؤرخ التركي. يلماز أوزتوناء الذي يقول فيه إن معاهدة الامتيازات «معاهدة مساعدة لتنمية فرنسة عسكريا واقتصاديا والحيلولة
۲۲
دون وقوعها لقمة سائغة لألمانية وإسبانية. وهكذا منع الديوان الهمايوني فرنسة بعض الامتيازات التجارية التي من شأنها تقويتها ببعض الميزات التي لم يعترف بها لغيرها من الدول». ونحن نعتقد بأن هذا التقدير هو الأقرب إلى الحقيقة التاريخية. لأن هناك ما يؤكده تاريخيا. فقد جاء في رسالة ابن فرانسوا الأول» هنري الثاني ملك فرنسة إلى السلطان سليمان القانوني «لم يبق لدى فرنسة أي أمل في المساعدة من أي مکان آخر عدا حضرة سلطان العالم؛ حيث أن حضرة سلطان العالم قد قدم من قبل مساعداته لمرات عديدة. إن فرنسة ستكون نة إلى الأبد لو سوعدت ممقدار من النقود والبضاعةء وستطبق شهرة الكرم التركي العالم أجمع. إن مثل هذه المساعدة تعتبر لا شيء بالنسبة إلى سلطان العالم»". وهكذا يعترف ملك فرنسة بأن السلطان سبق وساعد بلاده التي لا أمل لها سوى استمرار المساعدة. وفي هذا دليل على أن صفقة الامتيازات التي منحت كانت بالفعل لتنمية فرنسة. ولكن يبقى أن نعساءل إذا صح ذلك مع فرنسة فكيف يوافق السلطان على جعل هذه الامتيازات مفتوحة لإمجلترة ولبابا روما إن شاءرا تتعوا بهاء وهو في حرب مصيرية معهم وبالذات مع بابا روما الذي کان يساند شارل الخامس ؟ هل أراد أن ينمي أعداء« حتى يحدوا من اتساع ديار الإسلام في أوروية ؟ أسئلة لم تزل تبحث عن جواب.
نتائج الامتيازات
وكما لاحظنا فإن قارئ التاريخ العثماني لا يجد مبررات معقولة تدفع السلطنة لأن تمنح الدول الأوروبية كل هذه الامتيازات دون أن تطالب بثلها. حتى أن الشيخ رشيد رضا كان متحيراً في تبرير ذلك» فنراه يؤكد على أن «الدولة العلية لم قنح الأجانب الامتيازات الشاذة عن القوانين الدولية المقدسة مضطرة لأنها كانت وقتئذ في عنفوان دولتهاء ذات قوة ومنمة لا برهبها وعيد ولا يهرلها تهديد. وثانياء لأن الدول السيحية لم تطلب منها تلك الامعيازات بصوت واحد ولا توعدتها بحشد الجيوش ومعاملتها بالقوة والإكراه إن هي لم تعطها ما طلبت عنوة» فالسلاطين لم يفعلوا ما فعلوا إكراهاً بل عن طيب نفس وخاطر »"".
8
لقد أتاحت حرية التجارة البحرية المطلقة لفرنسة وللدول الأوروبية التي رفعت العلم الفرنسي إمكانيات هانلة لسفنها في الموانئ العشمانية دون رقابة أو جمارك تنقل من الولايات المشمانية وإليبها كل أنواع البضائع والسلع» فضلا عن الامتيازات الجديدة التي كسبتها من خلال وصايتها على المسيحيين من كاثوليك وأرمن وبروتستانت وأرثوذكس. حتى أن القنصليات الأوروبية جهلت من المسيحيين العشمانيين مواطنين متميزين عن الآخرين» يتمتعون بحقين: حق الانتماء إلى نظام الملل العشمانيء وحق الوصاية الأررويية. ناهيك عن مكاسب المدارس التبشيرية والإرساليات التي وضعت بين أيديهم سبل تطور تربوي وعلمي ورفاه لا يحلم بها المسلم في سلطنته نفسها. لقد تحول مع الوقت» وبفعل ذلك ولاء المواطنين المسيحيين من السلطان إلى أور وبةء لأن الامتيازات قد شملتهم فأصبحوا مفضلين ولهم معاملة خاصة في مجالي القضاء والاقتصاد. فلا يحق للسلطات العثمانية تفتيش مسكن أحد الأجانب دون إذن من القنصل الأوروبي ويمعرفة الباب العالي» ولا يحق لها جباية أي ضرائب من المتاجر والمصانع والبنوك الأجنبية. وانعكس ذلك أيضا على ولاء العناصر غير التركية (الأقليات) في السلطنة حين اتجهت القوميات لأوروية بحثا عن حلول أو حماية. والأدهى من هذا وذاك أن تأثير التغريب بلغ النخبة العشمانيةء وإن كانت مسلمة ومتمسكة بإسلامهاء وذلك من خلال انتشار التعليم الأوروبي.
توترت العلاقات بين الدولة العشمانية وفرنسة بعد أن تراجعت الأخيرة عن تحالفاتها وتصالحت مع شارل كوين. وعلى إثر ذلك كتب سفير فرنسة في استانبول بعد أن ترك عمله في ۱۵۵۹م یتمنی موت السلطان فيقول «أتمنى أن يسرع با موت لأنني أعتقد بأنه يكن الحصول على مكاسب لملك فرنسة من السلاطين العشمانيين بعده أكبر بكثير ما كنا قد حصلنا عليه منه »“". ويالفعل أسترخت الدولة العفمانية بعد غياب القانوني وتضاءل دورها السياسي والعسكري في وسط أوروبة» وتوفرت للأوروبيين ظروف أنسب وأربح من خلال اتجارهم مع الممالك العشمانية. استغلت أوروبة الوهن الذي أصاب سلاطين آل عشمان لتلوح لهم كلما تهيأت الظروف بحقها المكتسب في الامتيازات» بل تعرضت الدولة العشمانية للتهديد المباشر من الخارج عسكريا ومن
1o
الداخل في عقر دارها بواسطة مواطنيها الذين خضعوا للوصاية الأجنبية وارتبطت مصالحهم الاقتصادية بها.
إن اقتناع الدول الأوروبية بكون « نظام الامتيازات الأجنبية» حقا من حقوقها الطبيعية هو الذي دفع فرنسة لإرسال جنودها لمساعدة البندقية التي كان السلطان مراد الرابع (١۲١١-١١١٠م) يحاربهاء كما أرسلت سفيرها برفقة عمارة بحرية حربية لإرهاب الدولة الملية ومطالبتها بتجديد الامتيازات. لكن الصدر الأعظم حينئذ. والذي كان ما يزال تلك قراره السياسي» أخبر السفير وبأن المعاهدات هذه ليست اضطرارية واجبة التنفيذ ذلك لكونها منحة سلطانية فحسب» الأمر الذي جعل فرنسة تتراجع عن تهديداتها وتتحايل لدى السلطان ليوافق من جديد على تجديد نظام الامتيازات عام ۷۳٦١م ما زاد الطين بلة. وبدل أن تتعظ الدولة المشمانية غا حدث أمر السلطان محمد الرابع (۹4۸١-۸۷١١م) بتفويض فرنسة حق حماية بيت المقدس.
تابع تجديد الامتيازات. وفي كل مرة يضاف قيد جديد على السلطنة؛ ففي تجديد عام ١٤۷٠م أضافت السلطنة امتيازات تجارية جديدة لفرنسة. ولكن الامتيازات تعرضت لتهديد حتيقي عندما احتل نابليون بونابرت مصر» فقد أوقفت السلطنة العمل بهاء غير أن نابليون كان قد تراجع في الوقت المناسب حفاظا على علاقته مع السلطنة. وذلك حين عرض انسحاب فرنسة من مصر لقاء تجديد الامتيازات. وقد تم ذلك بالفعل في ۹تشرين أول (أكتوبر) ١١۱۸ءم. وكالعادة أضافت السلطنة - بكرمها المعتاد - امتيازا جديدا يقضي بمنح فرنسة حرية التجارة وا لملاحة في البحر الأسود.
وکانت نتائج هذه الامتيازات وخيمة جدا على السلطنة. فالمؤرخ اليوناني» ديمتري كيتسيكس» يتساءل في كتابه «الامبراطورية العشمانية» فيما إذا كان نظام الامتيازات الحجارية. الذي منحه العشمانيون لأوروبة. هو السبب الرئيس في استعمار أوروبة الاقتصادي للامبراطورية العشمانية. ولكي يجيب على هذا السؤال» عاد إلى أوائل الامتيازات التي منحها العشمانيون للبندقية عام ۱004ء٠ وريط بينها وبين
۲۹
الامتيازات التي حصلت عليها البندقية نفسها في العصر البيزنطي» وبالتالي خرج بنتيجة أن الدولة العشمانية اكتسبت عادات بيزنطية في هذا المجال» وخلص إلى أن الامتيازات حطمت اقتصاد الامبراطورية بتحطيمها النظام الضريبي العثماني القائم على حماية التجارة المحلية ضد المنافسة الأجنبية ("). بل هذه الامتيازات حالت دون قيام السلطنة بتنفيذ مشروعات إصلاحية واستنباط موارد مالية جديدة لراجهة نفقات الإدارة والحكم»ء لذلك أصبحت معاهدات الامتيازات الأجنبية بمشابة موائيق مذلة للعشمانيين ما دام الأوروبيون لا يخضعون للسلطات العثمانية. فقد أصبحروا وكأنهم يشكلون حكومة داخل الحكومة العشمانية "'.
وعلى صعيد آخر» فإن تقييد السلطنة بنظام الامتيازات قد جعل من سفراء الدول الأوروبية في الآستانة شركاء للدولة في قراراتها السياسية والاقتصادية والعسكرية أيضا. ففرنسة بعدما احتلت ال جزائر عام ۱۸۳۰م أقدمت على إنزال قوات لها في لبنان عام ٠٦۱۸م بدعوى حماية المسيحيين من الدروز» وقد نالت تأييد بقية الدول الأوروبية في ذلك. لقد أرادت فرنسة في أعمالها هذه إفهام الدولة العشمانية بأنها تشاركها في شؤونها الداخلية ما دام الأمر يتعلق بالمسيحيين الذين منحت الدولة العشمانية نفسها حقوقا للأوروبيين بحمايتهم.
ومع الوقت تعقدت العلاقات العشمانية الأرروبية من خلال تعقد وتشابك نظام الاستيازات الذي أتخذ العمل به شكل التزام عشماني تفرضه المؤقرات الدولية. فقد قررت لائحة برلين لعام ١۱۸۷م التي أقرتها روسية والنمسة وفرنسة وإيطاليةء التشديد على الباب العالي لتعيين مجلس دولي لمراقبة أحوال المسيحيين في السلطنة. وعقب ذلك موقر لندن. عام ۱۸۷۷م الذي طالب السلطان هو الآخر بأن يقوم سفراء الدول الأوروبية في الآستانة بمراقبة أحوال النصارى في الامبراطورية والسهر عليهم» لكن الباب العالي» حفظا منه لما ء الوجه رفض ذلك. فأعلنت روسية الحرب» وهاجمت قواتها الامبراطورية فأصبحت على مقربة خمسين كيلومترا فقط من عاصمة الخلافة المظمى الآستانة"'. ولم تسو الأمور إلا بعد أن عقدت اتغاقية سان استيفانوا في آذار (مارس) ۱۸۷۸م. التي أقرت استقلال الجبل الأسود ورومانية
۷
والصرب التي ضمت إليها. وتوالت المعاهدات والتنازلات الخطيرة ففي معاهدة برلين ۸.ء.. أقر السلطان العشماني استقلال بلغارية وجعلها مستقلة.
طالبت الدولة العشمانية على عهد الاتحادیین. عام ۲١١۱م بإلغاء نظام الامتيازات الأجنبية. وقد نصت المواد السادسة والسابعة والثامنة من القسم السري من معاهدة « أوشي» بين الدولة العشمانية وإيطاليةء بشأن طرابلس الغرب» على ما يأتي: «إن الحكومة الإيطالية تواقق على إلغاء الامتيازات الأجنبية» وما يتبعها من نظم ومؤسسات» وذلك عند موافقة سائر الدول على الإلغاء""» وكررت طلبها عام ..٤ ولكن جو الحرب كان يخيم على أوروبةء فكانت فرصة مناسبة لأنور باشا وزير الحربية لكي يستغل أوضاع التعبئة العامة في أوروية فيوعز إلى الباب العالي بإصدار قرار إلغاء الامتيازات الأجنبية. وبالفعل؛ فقد بعث الباب العالي برسالة إلى السفراء الأوروبيين في الأستانةء في أيلول (سبتمبر) من العام نفسه؛ يعلمهم بعزم الامبراطورية على إبطال العمل بالامتيازات اععبارأ من اتشرين أول (أكتوبر) ١١۹٠م ولكن السفراء اعترضوا بشدة على هذا القرار وأرسلوا يعلمون الباب العالي بذلك. ومع ذلك فقد استمرت السلطنة في إجراءاتها فقررت «زيادة الرسوم الجمركية التي كانت تقررها طبقا للامتيازات الأجنبية» وجرى الاستيلاء على دور البريد الأجنبية با في ذلك دور البريد الألمانية» وتقرر خضوع الأجانب في الامبراطورية للقوانين العشمانيةء كما تقررت محاكمتهم أمام المحاكم العشمانية. وأصدر أنور أمرا بإغلاق البوغازين في وجه السفن الأجنبيةء وذلك رغبة منه في الحيلولة دون تدخل دول الوفاق »"".
وبالنظر إلى القرار الذي اتخذته الامبراطورية بالوقوف إلى جانب ألمانية والنمسة في الحرب اعتبارا من ۲۹تشرين أول (أكشوبر) ١١۱۹ء فقد وافقت الدولتان تكتيكياً على القرار وبمعزل عن الدول الأوروبية الأخرى. أما الولايات المتحدة الأميركية فقد رفضت من جانبها الإذعان للقرار العشماني» واعتبرت أن نظام الامتيازات «لبس نظاما عشمانياً مستقلاء بل هر نتيجة مواثيق دوليةء واتفاقات دبلوماسية في ميادين عدة»٠".
1A
وهكذا استمر العمل بنظام الامتيازات الأجنبية» فلم تلغ عمليا إلا بعد معاهدة لوزان عام ۱۹۲۴م» بعد أن تأكد للدول الأرروبية بأنه لا رجعة للسلطنة رالخلافة الإسلاميةء وأن تركية بقيادة أتاتورك ستلتحق كليا بأوروية وتتنكر للاإسلام» وذلك ما کان.
۸۹
0
مقدمة
اعتاد المؤرخون أن بربطوا في دراساتهم لتاريخ الدولة العلية العشمانية بين التنظيمات التي بدأت في السنوات الأخيرة من حكم السلطان محمود الثاني (۱۸۳۹-۱۸۰۸ء) وبين حركة الإصلاح» بل إن أغلبهم حين يتحدث عن حركة الإصلاح يبدأ مباشرة من فحرة التنظيمات. *
و «الإصلاح » و «التنظيمات» و «النهضة» مصطلحات دخلت حياتنا الفكرية الإسلامية منذ أول انفتاح على أوروبةء والتعامل مع هذه المصطلحات يستدعي بالضرورة في ذهنية المسلم تاريخا أوروبياء لذلك فهي تسميات تجد عمقها الدلالي في تاريخ الآخر ولیس تاريخنا. ويبقى امتثالها في تاریخنا لا يعدو أن یکون مجرد تسميات» وأشكال» وصور» وليست جواهر» أو مضامين وقضايا. كيف التعامل إذن مع هذه المصطلحات في سياقات تاريخية إسلامية ؟ خاصة وأننا نقرأً تاريخا إسلاميا
# أنظر على سبيل المخال:
- كارل بروكلمان. تاريخ الشعوب الإسلامية ترجمة: نبيه أمين فارس ومنير بعلبكي» (بيروت: دار العلم للملایین, ط ۱۰ .)۱۹۸٤
خالد زيادةء التنظيمات الجديدة في الدولة العشمانيةء (بیروت: جروس برس .)۱١۹۸۵
- أحمد عبد الرحيم مصطفى؛ في أصول التاريخ العشمائي» (بیروت: داو الشروق» ۱۹۸۲).
- ألبرت حروراني. الفكر العربي في عصر النهضة › (بیروت: دار النهار» ط ۲٣ء ۱۹۷۷).
- علي محافظة. الاجاهات الفكرية عند العرب في عصر التهضة» (بيروت: الأهلية للنشر» طا . ۱۹۸۳). - وجيه كرثراني. السلطة والمجتمع والعمل السياسي ٠ (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربيةء ۱۹۸۸).
1
حديثاء وهو تاريخ الدولة العلية العشمانية.
بادئ ذي بدء» نود الإشارة إلى أن الإصلاح الذي حدث في الدرلة العشمانية تم في مراحل ثلاث: الأرلى» هي التي أعقبت المجد وشهدت بداية الأفولء وكانت محاولات لإصلاح يتجاوز التدهور في الشؤون الإدارية والضريبية للسلطنة؛ محاولات فرضتها الحاجة الداخلية للإصلاح. والشانية» عبرت عن نفسها محاولات النخبة العثمانية أعتماد نموذج إصلاح أورويي للتطور: تحديث عسكري وتحديث لجهاز الدولة على نسق ما حدث في روسية القيصرية. أما المرحلة الثالثةء فقد كانت مفروضة على السلطئة فرضا وياتغاقيات دولية من قبل الدول الأوروبية. وهي المرحلة التي سميت بالعنظيمات.
وباعتماد تقسيمنا هذا لن نسلك السبيل المعتاد للحديث عن التنظيمات لأنه ينبغي التطرق أولاً إلى الإصلاح؛ فالإصلاح سابق على التنظيمات بقرون عدة. ولكن. منى بدأ التدهور لكي تبرز الحاجة إلى الإصلاح؟ هنا أيضا لا بد من المراجعة.
أولاً: الحاجة إلى الإصلاح
برزت الحاجة إلى الإصلاح عندما بدأ التدهور أو بالأحرى عندما استشعر رجال الدولة أزمة داخلية. وفي تقديرناء فإن الأزمة الحقيقية التي عانتها السلطنة هي أزمة اقتصادية قبل أن تكون عسكرية أو فكرية. فالسلطنة كانت حتى عهد سليمان القانوني (١۲١٠-١١١١م) تعيش انتصارات متواصلةء وما يردده البعض من أن أزمة الفكر والاجتهاد» إبان الدولة المشمانيةء هي التي أدت إلى تقهقر حضاري قاد إلى الانحطاط, يترك انطباعا بأن هذه المقولة تبسيطية وغير دقيقة تاماً. صحيح أن بعضا من الجمود أصاب حركة الفكر الإسلامي بشكل عام خلال العمر المديد للدولة العثمانيةء ولكن هذه الدولة قد عاشت أكشر من قرنين (من عهد السلطان عثمان ۹مہ وحتى سليمان القانوني ١٠٠٠م) وهي في حالة ازدهار حضاري» مقارتة بالحضارات السائدة آنذاك. وانتصار دائم حتى اعتبرت أكبر قوة حضارية وعسكرية دولية عهد ذاك.
۲
لقد نشأت مشاكل السلطنة الحقيقية من فقدانها سيطرتها على البحار الشرقية. فالكشوف الجغرافية أتاحت للبرتغاليين فرصة التحكم بطرق التجارة الشرقية واحتلال أراض عربية إسلامية» حيث تمركز الوجود العسكري البرتغالي على الساحل الغربي للهند. وقي منطقة الخليج» ومعظم أقاليم شرقي الجزيرة العربية (مسقط› هرمز البحرين» ساحل عمان). وكانت حكومة لشبونة قد أصدرت أوامرها إلى أمراء البحر البرتغاليين بنع وصول السفن الإسلامية إلى الهند. وضع البحار فاسكو دي غاما أسطوله عند المدخل الجتوبي للبحر الأحمر وطارد السفن الإسلامية في المحيط الهندي. ويدل أن يخوض السلطان العثماني الحرب ضد توغل الأوروبيين في البحار الشرقية وسيطرتهم على التجارةء والعمل على تحرير الأراضي الإسلامية وبالتالي تقف معه الدول الإسلامية الأخرى كالمماليك في مصر والشام والدولة الصفوية في إيران» أساء الجميع تقديرهم لحجم المخاطر والتحديات الخارجية» فوجهوا قواتهم لمحاربة بمضهم البعض. وفي عام ١١١٠م أعلن السلطان» وبسبب خلافات مذهبية أو حدوديةء الحرب على الدولة الصفوية كما وجه جيوشا أخرى لمحارية دولة المماليك في مصر والشام والحجازء ؛ كان السلطان المملوكي الغوري حينذاك يحارب البرتغاليين بضراوة وفي معركتين؛ الأولى في مرج دابق قرب حلب عام ١١١٠م والشانية في الريدانية قرب القاهرة عام ۷١١٠م قضي على دولةالمماليك. ولم تتهيأ الدولة لحرب البرتغاليين إلا بعد ثلاثين سنةء أي بعد أن استحكموا في البحار وعززوا من أساطيلهم وقواتهم... حينها توجهت «الحملة العشمانية الكبرى» لمحاريتهم ولكنها هزمت بفعل قوة الأساطيل البرتغالية واستحكاماتها. ويعد ذلك دخلت دول أوروبية (هولندةء المجلترةء فرنسة) جديدة إلى البحار الشرقية. وتحول الخط التجاري إلى رأس الرجاء الصالح» وأغلقت منافذ البحار الشرقية إلى البلاد العربية. وانعكست آثار هذا الححول على الحياة الاقتصادية فيه" .
وأدى تدهور التجارة العشمانية مع الوقت إلى انكماش الموارد المالية للسلطنة وزعزعتها وإنزال الضرر بالطبقات المنتجة وكانت النتيجة أن ازدادت الضرائب وتقهقرت الزراعة والحرف وجلا السكان عن الأرياف."'. وفضلا عن ذلك كان
ف
لاكتشاف أميركة آثارٌ اقتصادية وخيمة على الامبراطورية» ذلك أن تجارة الذهب والفضة أصبحت بيد أورويةء فانخفضت العملة العشمانية. وما زاد الطين بلة أنه بنعل التحديات العسكرية الجديدة التي بدأت تواجه الامبراطورية توجهت الأخيرة إلى مزيد من الإنفاق العسكري» فضاعفت عدد الانكشارية ودربت المزيد من وحدات الصكبان. ولكي تحد من خطر إسبانية بعد هزية الامبراطورية في لابانت» أعاد سليم الثاني )۱۵۷٤-۱۹۷( بتاء أسطوله کله وأضاف ثماني سفن حربية كبيرة لم ير مثلها في المتوسط أبدا. وقد أنفق مبالغ ضخمة جدا. فلكي بحافظ على أسطوله ويصونه كان يصرف مليونا ومائتي ألف دوكة ذهبية سنويا. ولكي تتمكن الامبراطورية من القيام بحملات حربية ضد النمسة, ما بین ۰۹-۱۵۹۳١٠م» صرفت على تسليع أسطول خير الدين باربروس يغرده مبلغ مليون دوكة. وهو ما جعل المدخولات السنوية ليزانية الدولة في انخقاض مستمر» في حين أستلمت الخزينة عام ۷١۱۵م حوالي ۸ ۵ مليون قطعة ذهبية لم تستلم عام ۱۵۹۷م سوى ٠.۵ مليون قطعة"".
وهكذا تجد أن أزمة الامبراطورية قد تفاقمت. وأن الوضع الجديد للنظام الاقتصادي الدولي. وتراكم الثروات الأوروبية بغعل السيطرة على التجارة الشرقية واكتشاف آميركة. أدى إلى تخريب النظام الاقتصادي القديم» «فتد أمكن للأوروبيين كبح جماح هذا التطور الخطير واستيعابه واستخدامه في تطوير نظامهم الاقتصادي» في حين عجز عن ذلك المسلمون لضياع مصادر الثروة وطرقها من أيديهم». ولقد كانت الأضرار التي غجمت عن خروج البحار المحيطة بديار المسلمين من أيديهم وخيمة جدا. فقد كانت الدولة الإسلامية تستفيد من هذه البحار من عدة وجوه مثل التحكم في حركة السلع والأشخاص والجيوش» وتقاضي رسوم باهظة» والحصول على السلع لدار الإسلام بأسعار رخيصةء وأخيرا إرغام الغرب كله على التعامل معها من مرقع قوة لحظل التجارة مكنة عبر دار الإسلام أو معها“".
وقد كانت الولايات العربية أولى المحضررين نتيجة ذلك إذ تدهور اقتصادها وازدادت الضرائب المفروضة عليها من الحكومة العشمانية لتعويض العجز الكبير الذي بدأت تشكو مته النزينة. يکفي أن نلاحظ بأنه في خلال قرن واحد فقط› أي من عام
Tf
۳م حتى عام ١۱۹۸م ارتفعت الضرائب على الأفراد معدل ثلاث عشرة مرة ". ومن المؤسف له أن هذه الأزمة لم تنعكس على نفقات القصر السلطاني» فاستمر السلطان وحاشيته بالإسراف والترف» وكانت القصور تهج بأجنحة الجواري والحريم والغلمانء رغم تحريم الشريعة لها.
إن الأمر الجدير بالملاحظة هنا هو أن ضعف السلطنة الاقتصادي قد تزامن مع الأخذ بنظام الحريم السلطاني» واعتكف السلاطين في قصورهم وغرقوا في ملذاتهم» إلى درجة أن التاريخ المشماني قد عرف سلاطينا أطلق عليهم «السلاطين الذين لا يراهم أحد» لأنهم كانوا لا يبرحون القصور وأجنحة الحريم» لانغماسهم في المتع الجنسية.» حتى احتسب أن عدد الأطفال الذين ألجبهم السلطان مراد الغالث (٤۵۷١-٠۹١١٠م) مثلاً لا يقل عن مائة وثلاثين ".
في خضم هذا التدهور الاقتصادي والخلقي» الذي بدأ بعد ذروة المجد مباشرةء انتبه مفكرو الأمة إلى أزمة الامبراطورية» فقد اندفع مصطفى عبد اللهء والمعروف بحاجي خليفة (0۸٠۹٠-۹۵۷٠م) ليقدم حلولا للامبراطورية فكتب «دستور العمل في إصلاح الخلل» وهي رسالة في الإصلاحات المالية كتبت عام ١10١م ولكنها لم تنشر إلا بعد ثلاث سنوات *"» وقد كانت أول محاولة إصلاحية جاعت تعبيرأ عن حاجة داخلية ملحة كتبها مفكر عشماني لكي يوجه الأنظار إلى تدهور النظام الضريبي والمالي العشماني.
إن التقهقر الذي بدأ في الدولة العشمانيةء قد تسارع مع بداية القرن السابع عشر» حين اشتدت الأزمات عليها. ومع الرغبة في الإصلاح التي راودت رجال الدولةء فإن المشكلة كانت أكبر من أن تحاصر بإصلاح داخلي محدود. كان لا بد أن تتحرك السلطنة باتجاه الداخل والخارج معا بإجرا ت إصلاح جادة وصارمة حتى تلاحق التطور السريع الذي يحدث في الدول الأوروبية المنافسة لها. لكن تركز السلطة بيد الباب العالي وبعض حاشية السلطانء وغياب الأخير عن ساحة التأثير والفعل قد حال دون قيام حركة إصلاح جذرية.
0
ثانيا؛ إصلاح أم تنظيمات
تعرف دائرة المعارف الإسلامية التنظيمات فتقرل «إنها اصطلاح مأخوذ من قانون تنظيم امك ويقصد بالتنظيمات الإصلاحات التي أدخلت على أداة الحكم والإدارة في الدولة العمشمانية من مطلع عهد السلطان عبد الحميد. وقد استهلت بالقانون المعروف بصفة عامة باسم خط شريف كولنانة. وورد اصطلاح « تنظيمات خيرية» لأول مرة في السنوات الأخيرة من حكم محمود الثاني أما نهاية عهدها فكانت حول عام ٠۱۸۸م عندما بدأ حكم عبد الحميد الثاني الاستبدادي»٠".
يحتوي هذا التعريف للتنظيمات على خطأين أحدهما تاريخي(زمني) والآخر مفهومي.يتعلق الخطأً الأول بتاريخ تولي السلطان عبد الحميد الثاني السلطنة. وجدنا هذا الخطأً في الطبعة القاهرية الأولى للموسوعةء وكنا نتمنى ألا نجده في الطبعة الثانية لهذه ا لموسوعة ونعني بها الطبعة البيروتية'“ لكن يبدو أن هذه الطبعة طبعة أوفست عن الأولى ولم تنل أدنى مراجعة لذلك تكرر الخطأً كما هو"“. أما الخطاً الثاني» الذي يثيره التعريف لمصطلح التنظيمات فيتعلق بالريط بين التنظيمات والإصلاح. فالإصلاح -كما سبق وأسلفنا- سابق على التنظيمات ومختلف عنها في المقصد والمآل. الإصلاح مجموعة من التصورات والمقترحات التي من شأنها لو طبقت أن تحدث تغييرا إلى الأحسن في المجالات الاقتصادية والتربوية والعسكرية تعزز من علاقة الدولة با لمجتمع وتؤكد مركزية السلطة. أما التنظيمات فهي عبارة عن إجرا ءات تشريعية تقوم بتقنين حركة الإصلاح هذه. أي صدورها بقوانين رسمية من أعلى سلطة في الدولة العشمانية وهي الإرادة السلطانية. وذلك ما حدث بداية بخط كولنانة عام ۹م ونهاية بدستور مدحت باشا “م
الموقف من النتظيمات هو الآخر موضع خلاف لدارسي التاريخ العثماني» ففيما يذهب «الحداثيون» من المسلمين وبالأخص العرب والأتراك من العلمانيين وغيرهم إلى أن التنظيمات هي بمثابة المرحلة الأكثر تقدما في التاريخ العثماني» بل إنها غالبا ما تعتبر» في نظرهم» بداية ما اصطلح على تسميته بعصر «النهضة» وتحديث المجتمع؛
۳٢
وفي كونها مرحلة الانفتاح على الغرب وتطوره وإقرار الحريات العامة» وتقييد سلطة السلطان"“ وغير ذلك. وعليهء ترتبط التنظيمات «أوتوماتيكياً» بحركة الإصلاح حتى أنه عندما تذكر الأرلى تدل على الأخيرة. لقد تم تشبيت هذه التصورات فأصبحت ضمن البرامج التعليمية العربية في المدارس والجامعات. مع أن الحركات الإسلامية والمفكرين الإسلاميين بشكل عام يشككون في صحتهاء بل إنهم يدحضونها كلياء لأنها في الواقع إجراءات تغريبية للدولة والمجتمع العشمانيين.
ومن غرائب الأمور ومحاسن الصدف أن يتفق موقف الإسلاميين هذاء وقد يكون للمرة الأولى والأخيرة. مع موقف وتقدير المستشرقين من الغربيين الذين يؤكدون في كتبهم على حقيقة أن التنظيمات هي محاولات غريية تقع في إطار الضغوط الأوروبية على الدولة العشمانيةء وأن كان هدفها المعلن «التحديث» و «الدفاع عن حريات الطوائف العشمانية» فإن هدنها الحقيقي كان أبعد من ذلك واستهدف الامبراطورية العشمانية ذاتها"“. يكفي أن نلاحظ على سبيل المغال مسألة الحقوق التي طالبت بها الدول الأوروبية للملل في الامبراطوريةء فقد مارست هذه الدول ضغوطا هائلة لكي يصدر الخط الهمايوني عام ١۱۸0م الذي أقر المساواة بين جميع الملل في الامبراطورية. ورغم أنه أشار بوضوح إلى الإبقاء على الامتيازات التي حصل عليها غير المسلمين في الدولةء فقد اعترض هؤلاء على قانون المساراة خشية ن قا جه ار ا جا سد ال ا9 وة رار الي دفع الأوروبيين من جديد لتجديد امتيازاتهم من ناحية ولتأكيد أفضلية غير المسلمين على المسلمين في دولتهم من ناحية ثانية"“.
إن النظر إلى التنظيمات من هذه الزاوية يسمح عمليا بإقامة علاقة وثيقة ليس بين الإصلاح والتنظيمات. كما تربط أغلب الدراسات» بل بين نظام الامتيازات الأجنبية والتنظيمات. ذلك لأن الأخيرة إنغا جاءت كنتيجة طبيعية للأرلى» ولولا الامتيازات الأجنبية وما مارسته من ضغط داخلي وخارجي لما فرضت التنظيمات.
أما حركة الإصلاح الحقيقية. فقد بدأت وانتهت قبل أن تتم قرارات التنظيمات» وإن القول بأسبقية تجربتي محمد علي الکكبير في مصر -١۷١۹(
¥۷
)٩ والباي أحمد في تونس (۱۸۴۷-١١۱۸م) في الإصلاح ينقصه الدقة. وذلك لسببين: أولهماء أن ما حدث في مصر وتونس لم يكن في حقيقة الأمر حركة إصلاح بقدر ما كان تأثيراً وتدخلا أوروبيا وفرنسيا على وجه النصوص,. وذلك أمر سنبحثه فيما بعد وثانيهماء أن الإقرار بأسبقية التجريتين ا لمصرية والتونسية في «الإصلاح» ليس دقيقا أيضا لأن حركة الإصلاح في الدولة العشمانية كانت قد بدأت عمليا قبل قرنين من ذلك التاريخ.
ثالثاً: محاولات الإصلاح
لم يكن الوضع العام للامبراطورية بخاف» لا على رجال الدولة ولا على مفكري الأمة العشمانيةء فقد كثرت الدعوات الإصلاحية وقدمت للسلاطين المتعاقبين مشيرة إلى مواقع الخلل ومظاهر التقهقر وحذرت من الانحدارء واقترحت الحلول» نذكر من هذه المحاولات الإصلاحية الأصيلة التالية:
- الكتاب الذي قدمه المؤرخ مصطفى علي أفندي جيليولو (١١۹۹-۱٠م) للسلطان مراد الثالث «مفاخر النغائس في كفاية المجالس» ويصف فيه المجتمع والحكومة العشمانية» ويركز على بذخ الطبقة الحاكمة.
- التقرير الذي قدمه علي أفندي عيني أمين بيت المال في إقليم مصر في بداية القرن السابع عشر للسلطان أحمد الأول عن سير أعمال مختلف المؤسسات التي تديرها الطبقة الحاكمةء وبصف فيه مؤسسات الحكومة والجيش ويتحدث بإسهاب عن نظام الرواتب.
- أشهر هذه المحاولات كانت في كتاب «الرسالة» الذي قدمه للسلطان مراد الرابع مستشاره الخاص مصطفى كوجي بيك الذي سمي بباعث الإصلاحات التقليدية. فبعد أن وصف الامبراطورية واتساعها إبان عهد سليمان القانوني» طرح للسلطان أسباب التقهقر الذي تعانيه السلطنة منذ تلك الغترة ومظاهره وحددها بأريعة: غياب مشاركة السلاطين في أعمال الحكومة والجيش؛ السلطة الكبيرة التي منحت لمنصب الصدر الأعظم؛ نمو مراكز القوى لأحزاب القصر ولمجلس الوزارة وتعددها؛ النمو
۲A۸
المضطرد للمفاسد والرشرات في كل أركان النظام العشماني. وقد أشار كذلك إلى انحطاط نظام التيمار الذي أصبح بيد النساء والأطفال والطبقات الاجتماعية العاجزة عن الخدمة في الجيش والدولة. وهو ما قاد إلى تسيب الجيش وضعفهء بعد أن خرب النظام الزراعي وأفسد النظام الحكومي في الأقاليم. ولم يقتصر الأمر على ذلك بل شمل الاضطراب تعيين العلماء الذي لم يعد حسب الكفاءة والمعرفة والعدل والسن. يخلص مصطفى كوجي بيك إلى أن كل ذلك قد أضعف مواره الخزينة من الحقول العامة في حين زادت المصاريف مقارنة بالعرائد» فعوض النقص بفرض ضرائثب جديدة على الفلاحين الذين تركوا الريف باتجاه المدن بحشا عن الرزق. فأدى كل ذلك إلى شيوع الأزمات الزراعية والاقتصادية. وخلص إلى أنه لا يوجد حلل دون إصلاح وتدخل صارم من السلطان نفسدا'*.
- المحاولة المهمة الأخرى هي الرسالة التي وضعها المؤرخ الموسوعي مصطفى عبد الله» والمعروف بحاجي خليفة (۸٠۷-۱۹١١٠م) جوابا على أسثلة بعثها له السلطان محمد الرابم» والتي عرفت ب «دستور العمل في إصلاح الخلل» وهي الرسالة التي سبق الإشارة إليها“'. تضمنت الرسالة تصورات حاجي خليفة للوضعية التاريخية العامة للامبراطوريةء وأسباب انحدارها. إن الامبراطورية - في نظره - مثلها مثل كل الدول تخضع لسياقات تطور طبيعية تر بثلاث مراحل: الأولى» مرحلة التطور السريع؛ والثانية الاستقرار والتمتع بالمجد؛ والثالثة» البطء فالتقهقر. وكل مرحلة تقصر أو تمتد حسب حكمة قادة الدولة وعملهم. ولقد شحَّص حاجي خليفة أن السلطنة تعيش في مرحلتها الثالثةء ولكن بفعل قواها الداخلية وقوة النظام العثماني» فبإمكانها البات على هذه المرحلة قرونا عدة لو قامت بإصلاحات جادة لشؤون الفلاحين الذين يعانون القمع والفاقةء وإصلاح نظام الضرائب» وتجديد موظفي الدولة الستين والمرتشين» وتقليل مصروفات الدولة وإصلاح الجش وتخفيض عدد الرجال فيه.
- آخر المصلحين كان محمد ساري في نهاية القرن السابع عشر. وهو في الأصل عمل ناسخالدى الأسرة السلطانية» وعرف أيضا كمؤرخ لأبرز أحداث
۲۹
الامبراطورية التي مرت في الربع الأخير من القرن السايع عشر. وقد وضع كتابا نال شهرة ومكانة واسعة سماه « نصائح الوزراء والأمراء» وجه فيه النقد إلى المصلحين السابقين له ووساتلهم التقليدية. وقال بأن الإصلاح لا يمكن إلا أن يكون جذريا ".
تلك هي أولى المحاولات الإصلاحية العثمانية التي نجمت عن حاجة داخلية ملحة كتبها مفكرون عشمانيون لكي يوجهوا أنظار السلاطين إلى تدهور النظام العثماني بشكل عام ونظامه الضريبي والمالي على وجه الخصوص.
إخفاق محاولات الإصلاح
بدأت الإجرا ءات العملية لوضع الدعوات الإصلاحية التي قدمها مؤرخو الأمة العشمانية ومفكروها عهدذاك موضع التنفيذ إبان حكم السلطان مراد الرابع (۳-٠4١١ء). فقد جهد السلطان لإصلاح النظام العشماني عن طريق محاولة إنعاش المؤسسات الحرفية التقليدية التي فقدت حيويتها مع غزو السلع الأوروبية للسوق المحلية. وذلك لأن نظام الامتيازات الأجنبية قد وفر حماية للتاجر الأوروبي لا يحلم بها التاجر المحلي» ورفع عنه الضرائب والجمارك ومنحه حرية الحركة وضمان أمنه وأمواله. كما تمكن السلطان أن يعيد تنظيم الإدارة المالية. واتخذ إجرا ءات صارمة لتطبيق النظام والعدالةء فأعاد تنظيم التيمارات وفصل من الندمة «السباهية» الذين لم يعودوا يؤدون الخدمة العسكريةء فتمكن من أن يستعيد للدولة وا لجيش قوتهما وقيأدتهما اللازمة.
ومن أبرز المحاولات الإصلاحية الحكومية الأصيلة نذكر ما تم على أيدي الصدرين العظام من أسرة كوبريللي (١١٦٠٠-۹۸۴م)ء وهما محمد كوبريللي وابنه فاضل مصطفى» نقد انصب اأهتمامهما على الإصلاح المالي والإداري والاقتصادي والعسكري» ومع ما حققاء من انتعاش للدولة وتجاوزها لكثير من مصاعبهاء فإن هذه المحاولات قد أخفقت مع الأسف بمجرد أن انتهى عهدهما.
إن التقهقر الذي بدأ في الدولة العشمانيةء قد تسارع مع بداية القرن السابع عشر» حين اشتدت الأزمات عليها. رغم أن بعض الإصلاحات قد أوقفت من وتيرته
واندفاعه كما أسلفناء غير أن المشكلة كانت أكبر من أن تحاصر بإصلاح داخلي محدود. فقد كان لا بد أن تتحرك السلطنة باتجاه الداخل والخارج معا بإمكانات تجدد جادة وصارمة حتى تلاحق الحطور السريع الذي بحدث في الدول الأوروبية ال منافسة لها. لكن تركز السلطة بيد الباب العالي ويعض حاشية السلطان» وغياب الأخير عن ساحة التأثير والفعل قد حالا دون قيام حركة إصلاح جذرية. فأخفقت المحاولات الحقيقية الداخلية للإصلاح. وقد ساهم ذلك في محاصرة الامبراطورية العغمانية في آسية وأفريقية وتقليص دورها الأوروبي وإضعاف فعاليتها العسكرية.
انتهت بنهاية الترن السابع عشر محاولات التجديد الذاتي والإصلاح الحليء لعبداً مرحلة جديدة من المحاولات للإصلاح وفقا للنموذج الأوروبي» وهي التي سنتناولها فيما بعد. يبقى أن نقوم بتقويم عام للمحاولات الإصلاحية الأرلى التي أطلقنا عليها صفة الإصلاح الداخلي الحقيقي» ومن أهم سماتها:
-١ أنها توجهت إلى الإدارة المالية والنظام الضريبي» وهما في الواقع جوهر الأزمة في بدايتهاء ولكن العالم حينئذ كان يتحول بسرعة كبيرة» ولقد تكدست الشروات في الدول الأوروبية» وشحت في الامبراطورية بعد أن حرمت من التجارة الشرقيةء وضعفت سوقها الداخلية. وهو الأمر الذي أفشل هذه المحاولات في مهدها.
۲- اعتمدت هذه المحاولات على الجهد العثماني المحلي في مجالي التنظير والتطبيق» وليس على جهود الخبراء الأوروبيين.
-٣ احتعفظت بالمؤسسات التقليدية المهنية والعسكرية والغقافيةء وحاولت إصلاحها من الداخل. ولم تفرض بديلا عنها كما حدث في محاولات الإصلاح في القرن الثامن عشر.
-٤ لم تدرك محاولات الإصلاح الاقتصادي أنها لن يكتب لها النجاح ما دام نظام الامتيازات الأجنبية يكبل حركة الامبراطورية داخليا وخارجياء فينزع عنصر المبادرة والمنفعة من يد التاجر العثماني ويمنحها للتاجر الأوروبي.
إن طي صفحة التجديد الذاتي» وحركة الإصلاح الداخلي في الامبراطورية لم يكن بفعل استحالة هذا الإصلاح أو عدم اقتناع القائمين عليه ولكن ذلك حدث بفعل
تراكم ما يكن أن نسميه بالأخطاء الاستراتيجية التي ارتكبتها الامبراطورية في مسيرتها التاريخية وهي: انها وهي في اوج قوتها ومنعتها كان عليها أولا ألا تسمح بسقوط غرناطة عام ۹۳٤٠م وهي آخر المعاقل الإسلامية في أسبانية؛ وكان عليها ثانيا بدل التحالف مع فرنسة لمحاربة النمسة في القرن السادس عشر أن تدعم المماليك وتزودهم بالعزم اللازم لمحارية التوسع الأورويي في البحار الشرقية يدل التفرغ لمحاريتهم وهم في أوج صراعهم مع البرتغاليين. وكان عليها ثالشاء بقدر ما كان على الدولة الصفوية من مسؤولية. إدراك خطورة الوضع الدولي المحيط بهما ووقف صراعهما المسلح الذي تستفيد منه القوى المعادية لهما.
وأخيرا فإن حركة الإصلاح» لكي تستكمل شروط نجاحهاء كان عليها أن توجه الأنظار إلى الخارج أيضا فتعزز من وضع الامبراطورية في النظام الدولي الذي بدأ يتحرك في غير صالحها.
النموذج الغربي للاصلاح
ما أن أطل القرن الثامن عشر حتى تأكد للامبراطورية العشمانية أن مرحلة من الانكسارات العسكرية الكبيرة التي عرفتها في نهاية القرن السابع لم تكن سوى البداية في التدهور العام الذي حل بهاء فقد انكسرت جيوش الامبراطورية أمام روسية عام ١0۸م» واضطرت للتنازل لأول مرة في تاريخها عن معظم أوكرانية. كما هزم العشمانيون على أبواب فينّة عام ١13۸م» واعتبر الصلح المشين «فارلوفجة» عام ۹م حدث فريد من نوعه اعتبره بعض المؤرخين أول عملية تفكيك للامبراطورية العثمانية واعتبره آخرون نقطة تحول الامبراطورية من سياسة الهجوم إلى الدفاع. وبدء انسحاب العشمانيين من أوروبة.
إن أبلغ وصف لحالة الامبراطورية بعد هذا الصلح يقدمه المؤرخ الألماني فون هامر فيقول «إن صلح فارلوفجة يعتبر من المعاهدات التي تستحق الاهتمام» فهو صلح له أهميته بالنسبة للمؤرخ. ليس فقط بسہب التغيرات الإقليمية التي ترتبت عليه ولا لتسجيله للفترة التي لم يعد الناس فيها يخشون الدولة العشمانية
۲
باعتبارها قوة مرهوية الجانب» بل لأن الباب العالي وروسية قد اشتركا للمرة الأولى في موقر وروي عام ولان إنجلترة وهولندة اللتين لم تشتركا في الحرب قد مُثَّلتا في ا لمؤتقر. من هنا يكون كل من السلطان والقيصر قد اعترفا ضمنيأ بمبدأً تدخل الدول الأوروبية في نزاعاتهما من أجل المصلحة الأوروبية العامة»“ .
لقد أصاب هامر في مسألة تدخل الدول الأوروبية» وإن بدأ التدخل في اعتبارنا اقتصاديا قبل هذا التاريخ من خلال نظام الامتيازات الأجنبيةء لكن الأمر المؤكد أن الهزية العسكرية العثمانية قد سمحت بأوضاع سياسية جديدة من مغل التدخل الأوروبي الذي أصبح إحدى حقائق السياسة الأوروبية عهد ذاك.
إن موقف الامبراطورية الضعيف عسكريا جعلها تتطلع إلى تجربة العدو التاريخي لهاء روسية القيصرية. التي كانت تعاني أوضاعاً عسكرية متدهورة مشابهة" ". فلم يكن باستطاعة روسية إحراز انتصارات على الدولة العثمانية لولا أن القيصر بطرس الأكبر (١۹۷١-٠٠۷١ء) قد قام بتحديث مؤسسته العسكريةء فأدخل عليها نظما عسكرية أوروبية حديشة» وزودها بتقنيات عسكرية جديدة. وما أن تطلع العسكريون إلى التجرية الروسية حتى أصبحت المقارنة معها على كل الألسنةء وتحولت لتصبح الحدث السياسي الأول في الامبراطورية. في أوساط النخبة الحاكمة أولأ. ثم انتقلت العدوى للسلطان نفسه؛ الكل بات يردد كيف يكن الاستفادة من التحديث الأوروبي. كما فعلت روسية القيصرية لمواجهة التحديات العسكرية التي تواجه الامبراطورية.
وفي خضم توجه العثمانيين الرسمي نحو تبني التحديث الأوروبي غاب عنهم أن البنى وا مؤسسات وا لمجتمع في روسية عموما هي غير البنى وا لمؤسسات والمجتمع في الدولة العثمانية. فكل منها قائم على قيم ومعايير مختلفة. إن طبيعة التحديث في روسية لا تفعرض إلغاء البنى التقليدية أو المؤسسات القائمة أصلاء أو أنها تستحدث غيرها ؛ بل تقوم في الواقع بعملية تجديد لهذه المؤسسات يتناسب ويستجيب لحاجاتها الداخليةء ولا يتناقض أو يتعارض مع قيمها ومعاييرها وسياقها التاريخي. ولكن الأمر ليس كذلك في المجتمع العثماني» فالتحديث جاء خارجيا بآليات ومفاهيم
۲
غربية وغريبة عن المجتمعء وکان على حساب وجود موؤّسسات بكاملها. فالنظام العسكري الجديد استوجب إلغاء المؤسسة العمسكرية الهشمانية التقليدية (الانكشارية) كلياً. وقد أبعد الأخذ بالقوانين الوضعية الأوروبية الجديدة الشريهة الإسلامية من مجالات عديدة أهمها التجارة والسياسة» بل إن هذه القوانين بدأت بمحارية الشريعة الإسلاميةء وقكنت من طردها من أغلب تشريعات الدولة. كما أن نظام التعليم الحديث حارب ثم ألغی نظام المعارف الإسلامي. لكن روسية القيصرية لم تعان من مترتبات ماثلة على بناها التقليدية؛ ونجحت إلى حد ما في اجتياز أمتحان النحابت أو هكذا ردد المؤرخون» رغم اتا نقراً حاليا أبحاثا جأمعية روسية جديدة تشكك أساسا في كل مسيرة التحديث الغربية لروسية في مرحلتها الأولى إبان بطرس الأكبرء والثانية عند بداية التجربة الشيوعية التي قامت بعد الشورة البلشفية عام ۷م
إن السلاطين العشمانيين وهم مأخوذون بتجربة روسية القيصرية بالتحديث من تاحية» ويقسوة الهزائم العسكرية من ناحية أخرى» أقدمرا على انحهاج سبيل التحديث الأوروبي» ولقد سجل المستشرق برنارد لويس بداية هذا الاتجاه الجديد رسميا بقوله: «إن الوثائق التركية التي حررت إبان مرحلة اتفاقية بسافيتز (١۱۷۱۸/۷/۲م) احتوت على محاورة جرت بين مسيحي أوروبي وضابط عثماني حيث تحدثا عن إمكانيات قيام تنسيق سياسي وعسكري مشترك » '".
إن الحأجة إلى تحديث عسكري بوجه خاص هي التي دفعت العشمانيين للتعبير عن رغبتهم هذه. هذه الرغبة التي وجدت طريقها للتحقق عندما تبناها قادة الدولة. وتشير الوثائق العشمانية إلى أن أول مسؤول سياسي عثماني كبير سعى إلى الإصلاح هو الدامادا إبراهيم بىاشا الذي أصبح وزيرأعام ٦,ءم,» وصدرا أعظم (۱۷۳۰-۱۷۱۸م) إبان حكم السلطان أحمد الثالٹ (۳۰-۱۷۰۳١۷٠م). فقد أقدم على خطوة فريدة من نوعها حين قرر الانفتاح كليا على أوروبة فخرق وللمرة الأولى في تاربخ الامبراطورية تقاليدهاء ووافق على إرسال سفراء دأئمين إلى الدول الأورويية. فبدأً بثْيئّة (عاصمة النمسة) عام ١۷۹٠م وبعدها بعامين مر أن تفتتح
t٤
للامبراطورية أول سفارة في باريس» شغلها السفير محمد برميسكيز جلبي أفندي» ولقد حدد إبراهيم باشا الهدف من وجود السفيرء بأنه إجراء دراسة معمقة لأوجه الحضارة والحطور الصناعي""*.
وقد شكل مجي»ء محمد جلبي أفندي إلى باريس» مارا با مدن الفرنسية جنوبا حتى قصر فرساي» حدثا فرنسيا مهما سجله الفنان باروسل بلوحة سماها «دخول محمد أفندي إلى فرساي» ومن خلال مشاهداته للحياة الفرنسية» وإقامته التي استمرت قرابة العام (١۷۳٠-١۷۳١م) ألف محمد أفندي كتابا ظريفا سماه «جنة المشركين» سجل فيه ملاحظاته ويوميات سغارتهء فوصف ألحياة الفرنسية ومدنها وعمرانها وقصورها الفخمة. كما وصف مصانعها ومرصدها وأدوات الهندسة وأوجه التقدم في العلوم والتقدم في التنظيم المسكري"*. وقد كان لكتابه هذا أثر كبير في الأوساط العشمانيةء وبالذات على السلطان أحمد الثالث الذي قلد الفرنسيين في قصورهم ويذخهم في وقت كانت الامبراطورية تعاني فيه من أزمات اقتصادية قاتلة ومترايدةء وهو ما جعل الانكشارية ورافضي التحديث في الامبراطورية يقومون بثورة عارمة فيقتلون الصدر الأعظم المسرول عن الانفتاح على أوروبة» ويهدمون القصور الفخمة التي بنيت على الطراز الأوروبي» ويعزلون أخيرا السلطان أحمد الثالث.
وعلى الرغم من الرفض الدامي للححديث» فإن آلة الدولة ورجالها قد تشبعوا بفكرة التحديث هذه وباتوا مقتنعين بأن لا مفر من مواصلتها. وهكنا واصل السلطان محمود الأول (۱۷۳۰-٤١۷١م) رغم المخاطر عملية التحديث جرد أن هدأت الأمور» حيث خطا خطوة نوعية بأن استعان ولأول مرة ستشار فرنسي للشؤون العسكرية وهو الكونت دي بونفال (۷۵٦۱١-۷٤۷١م)ء وقد عرفت هذه السنوات موجة كبيرة من دعاة الحداثة الأوروبية. فقد سار سعيد أفندي على خطى أبيه. محمد جلبي آفندي» فأسس أول مطبعة عثمانية في استانبول عام ۷۲۷١م بالاشتراك مع إبراهيم متفرقة (۲-۱۹۷۹٤۱۷م)ء والذي سيلعب دور بارزا في الانغتاح العشماني على أوروبة ““. نشرت مطبعتة ترجمات عديدة في مجالات التاريخ وا لجغرافية والآداب واللغة» كما طبعت كتاباً ألغه إبراهيم متغرقة نفسه وسماه
t۵
« أصول الحكم في نظام الأمم» وفكرة الكتاب سبق أن قدمها المؤلف بصيغة مذكرة دبلوماسية رفعها إلى الصدر الأعظم إبراهيم باشا الذي نصحه بطبعها بصيغة كتاب لعقديها إلى السلطان الجديد محمود الأولا**» ولأهمية الكتاب فقد ترجم إلى الفرنسية» وصدر في فينَّة تحت عنوان «بحث في التكتيك» "*» ولقد أدخل متفرقة من خلال نشاطاته ومطبعته كثيرا من فنون الغرب وأفكاره إلى الامبراطورية» وشكل ذلك جزءا من العملية التي أدت إلى كسر ستار الماضي الحديدي. وذلك نتيجة لظهور مجموعة جديدة ذات اتجاه علماني قيض لها أن تتبنى الاتجاهات الجديدة داخل الامبراطورية"".
لكن غزو التحديث لم يقف عند حد» فقد هبت رياح التغريب على الامبراطورية العشمانية في أعلى مراتبهاء فالسلاطين ومن حولهم» قد ربطوا مصيرهم بالعلاقة مع أوروية» ويضرورة الإصلاح على النمط الأورويبي. فقد لجأ السلطان مصطفى الثالث (۷١۷٠-١۷۷١ءم) للاستعانة بطائنة من الضباط والخبراء الأوروبيينء وكان في مقدمتهم بارون دي طوت الذي اشتهر بالكتاب الذي ألغه في وصف السلطنة العثمانية في ذلك الحين"*. كما استقبلت استانبول في عهد السلطان عبد الحميد الأول عام ١۷۸٢م بعشة فرنسية مكونة من عشرات الخبراء على رأسها السفيروع ضر الاأكاذ ية الفرننية «شرازل غرفيه»» أما سلي الغالث (۷-۷۸۹٠۱۸م) وهو أحد السلاطين الذين «دفعتهم تشاقضاتهم مع قوات الانكشارية والجهاز الديني إلى الاندفاع في تيار الإصلاح وفق النموذج الغربي» فالبارز في عهده هو إقامته لأول تجربة من توعها في الإطار الإسلامي» وتتمشل بإصلاح عسکري شامل عرف باسم «نظام جدید » مدعوم بإصلاح اقتصادي «إيراد جديد» أما نغوذج هذا الإصلاح فهو المثال الفرنسي. فقد أحاط سليم الثالث نفسه بهيئة استشارية «مجلس مشورة» ضمت فرنسياً أرمنياً وهذا بحد ذاته ذو مغزى»"".
وكما ترى فإن الاتجاه نحو التحديث أصبح أمرأً لا عودة عنه في نظر السلطة المشمانية. والتحول الجديد الذي طرأ في عهد السلطان سليم هو أن الأوروبيين بدأوا عمليا يشكلون قوة سياسية داخليةء ويساهمون في صناعة القرار السياسي
1
للامبراطوريةء فهم خبراء عسکریون ومستشارون سیاسیون» وهم خبراء اقتصادیون أيضا. ولهم سلطة على السوق والتجارة العشمانية. ضمن هذا ا مناخ عمل المجلس الاستشاري للسلطان. الذي استلم عشرات التقارير» أبرزها تقرير أبو بكر راتب أفندي» مبعوث السلطان لزيارة العراصم الأوروبية عام ۷۹۴م. وكان راتب أفندي الفولتيري التفكير قد أعد تقريره من خمسماية صفحة» يتحدث فيه عن التنظيمات العسكرية في الدول الأوروبية» والنمسة خصوصا وعن شكل الإدارة والحكومة ".
ولم يخل ذلك المهد من مصلحين حقيقيين وليسوا مقلدين للغرب» منهم القاضي تاتارجيق زادة الذي قدم تقرير يطالب فيه بإصلاحات ضمن البنى التقليدية نفسها «تتضمن آراء حول إصلاح الجيش والإدارة والنظام التعليمي ... وبنتقد نظام المحسوبية الذي أدى إلى فساد الدولة وطالب بإلغائه كما طالب بإصلاح جهاز العلماءء واقترح القيام بإصلاحات عسكرية كبناء الترسانات والسفن وتدعيم الدفاعات»"".
ولكن السلطان سليم الغالث المأخوذ بالتجرية الأوروبية تبنى أفكار راتب أفندي» وأقدم على خطوة سيدفع ثمنها غاليا فيما بعد ألا وهي تأسيس الجيش الجديد الذي سماه «النظام الجديد» وجعله مكونا من اثني عشر ألف رجل يتدربون على أيدي ضباط وخبراء أوروبيين (فرنسيين على وجه الخصوص) ويعملون وفق نظم أوروبية. كما «عمل السلطان على إعادة تنظيم مدرسة البحرية التي أسسها البارون روتوت؛ وأسس كذلك مدرسة جديدة للمدفعيةء والأمر الملفت للانتباه هو القبول باستخدام اللغة الفرنسية كلغة مساعدة في التعليم»"".
وفي جو «التفرنس» لدى النخبة العشمانية» اتسع استخدام اللغة الفرنسية وأصبحت لغة النشرء فقد شاعت ظاهرة لدى كشير من عناصر النخبة (مهندسون وتقنيون وكتاب وسفراء) فبدأوا يضعون مؤلفاتهم باللغة الفرنسية مباشرة دون أن يستخدموا التركية. ونغاذج ذلك كثيرة جداأ» فسكرتير السفارة السلطانية لدى قصر إنجلترة محموهد رئيف أفندي كان قد وضع كتابه «التنظيمات الجديدة في الدولة العثمانية» بالفرنسية عام ۷۹۸٠م» وطبع في المطبعة الجديدة في القسطنطينية؛ وقد كان رئيف أفندي من أبرز المتحمسين للتحديث على الطراز الأوروبي» وعلى الرغم من
¥
كونه مغرما بالنظام السياسي الإنجليزي» ويقن الإنجليزيةء فقد نشر باللغة الفرنسية كتابه الشاني عن «النظام السياسي الإمجليزي» إبان فترة عمله كسفير للامبراطورية (۱۷۹1-۳م) ضمنه عرضا لطريقة الحكم الإنجليزي التي هي خليط من الملكية را لجمهورية ومستويات السلطة وتنظيم الدولة. كذلك فعل المهندس سيد مصطفى الذي ألف كتابه «نقد حالة الفن العسكري والهندسة والعلوم في القسطتطينية ۳ م» بالفرنسية أيضا؛ ونشره في باریس عام ۱۸۰۹م.
لقد ساهم سفراء الامبراطورية في الدول الأوروبية في تسريع عجلة التحديث من خلال تقاريرهم المفصلة عن مشاهداتهم» وتصائحهم لقادة الدولة. ومن التقارير المهمة التي أرسلت للسلطان سليم حينذاك» التقرير الذي كتبه سفير الاهبراطورية في برلين وهو عظمي أفندي» ووصف فيه مشاهداته لأوجه التقدم هناك خلال عامين من إقامته (٠۱۷۹۲-۱۷۹ء). وبلاحظ برنارد لويس أن لهجة الكاتب عند حديشه عن الأوروبيين قد اختلفت نوعاً عما هو معهود حينئذ لدى المسلمين» فهو لا يجمل من الأوروبيين مشركين» كما جرت العادةء بل يعتبرهم منافسين خطرين ليس إلا. لقد امجذب السفير كثيرا نحو طريقة تنظيم الحكومة البروسية» ومدى جدارة جهازهاء وكفاءة موظفيها» وكتب يقترح على السلطان القيام بمجموعة من الإصلاحات الإداريةء منها القضاء على الرشوة والفساد الإداري وعدم توظيف غير الكفوئين في جهاز الدولة. ووضع الرجل المناسب في المكان ا مناسب» وإلغاء ا لمحسوبية. وتعليم الطبقات الفقيرة» وكذلك تعليم آفراد الجيش والعناية بالمدفعية والبحرية".
ولكن مسيرة التحديث في الامبراطورية قد واجهت تحديات كبيرة من معارضيهاء وبخاصة عندما توفي شيخ الإسلام الذي كان معاضدا للسلطان في إدخال الإصلاحات العسكريةء وتولى مكانه قاضي عسكر الرومللي. والذي كان على عكس سلفه معارضا للاإصلاح على النمط الغربي. وبمجرد أن مارس عمله بدأ بإقامة تحالف مع مصطفى باشا القائم قام الصدر الأعظم» ولفيف من العلماء» هدفه إبطال العمل بالنظام المسكري الجديد الذي وصفوه بأنه «بدعة مخالفة للشرع ». أما الانكشارية فلم ينعظروا أفضل من هذه الفرصة» فأعلنوا على الغور العصيان العسكري» وهجموا
LA
على بيوت ومقرات المعاضدين لمشروع النظام الجديد من الوزراء والذوات والأعيان فقتلوهم» ومن بينهم صحمود رئيف أفندي الذي کان بقلد الأوروبيين في كل شيء حتى لقب ب «إنجليز محمود أفندي». وما أن بلغ السلطان خبر هذه الثورة حتى أصدر على الفور أمرا بإلغاء النظام الجديد وصرف العساكر النظامية» لكن الشرار لم يكتفوا بذلك بل عزلوا السلطان خوفا من أن يعود لتنغيذ مشروعه» وساعدهم على ذلك شيخ الإسلام الذي هو في حقيقة الأمر محرك هذه الشورة فأفتى «بأن كل سلطان يدخل نظامات الإفرنج وعواندهم ويجبر الرعية على اتباعها لا يكون صالحاللملك» واستمرت الثورة حتى عزل السلطان سليم الشالث عام ۷٠۱۸م"". وخلال محاولته العودة إلى الحكم بعد عام من عزله وجد مقتولا في قصره.
لم يكن تحديث أو تغريب الامبراطورية بالأمر السهل. فقد كانت المعارضة قوية جدا. وكما رأينا فقد عزلت تلك المعارضة سلطانين متتاليين. وقتلت أحدهما. ويبدو مفيدا أن نُقَرّم تجربة السلطان سليم الثالث في هذا الإطار.
- أطلق الأوروبيون على سليم الشالث آنذاك المصلح الكبير وزعيم الأحرار وحليف أوروية.
- فيي عهده انتشر الخبراء الإمجليز والفرنسيين والبروسيين والسويديين في أرجاء الامبراطورية وعاصمتها يحدثون البنى العسكرية والغقافية والإدارية.
- كان أول سلطان يستحدث نظام السفارات العشمانية الدائمة في الدول الأوروبية لكي يدرس هؤلاء السفراء جرانب «التقدم الأوروبي » وينقلوها إلى الامبراطورية.
- کان أول سللطان يہشدع نظامين أوروبيين أحدهما اقتصادي «إيراد جديد» والآخر عسکري « نظام جدید ».
- إن أول استخدام لمغردات السياسة الغربية حدث في عهده أيضاء وعلى الرغم من أن سغير الامبراطورية المتجول فيي فرنسة» كان قد استخدم عام ١۲١٠م كلمة «الحرية» أثناء رحلته عبر تولوز وبوردو إلى باريس» فإن هذا الاستخدام بات شائعا في عهد السلطان سليم» فقد كرره سفيره عظمي أفندي» وبعدها شاع في
4۹
أدبيات السفير العشماني في باريس علي أفندي الذي تحدث بانجذاب عن «الحرية السياسية». ثم في استانبول نفسها في المذكرات الدبلوماسية التي حررها السكرتير الأرل عاطف أفندي. لكي يحلل نشاطات رأعمال الحكومة الثورية الفرنسية وأفكارها الأساسية في الحرية والمساواة والإخ.'“.
- و يزعم برنارد لويس أنه في عهده عقدت أول معاهدة عسكرية رسمية بين الدولة العشمانية وهي دولة إسلامية ودولة مسيحية هي السويد*. فقد كانت السويد في حالة حرب مع روسية» وانضمت إليهما بعد ذلك بروسيةء وقد وقعت الامبراطورية معاهدتین عسکریتین مع البلدين عامي ۱۷۸۹م و ۷۹۰١م. وقد شجب قاضي العسكر شانيزاد أفندي هذه البدعة في التحالف العسكري مع بلد مسيحي من حيث أنها مخالغة للشرع الشريف. واستشهد بالآية القرآنية الكريمة «يا أيها ألذين آمنوا لا تتخذوا عدري وعدوكم أولياء» ( سورة الممتحنةء الآية .")١
رمع كل هذه الخطوات التغريبية لبنية السلطة والمجتمع العشمانيين» التي دفع السلطان حياته ثمنا لها سنرى كيف كافأً ا لمؤرخون الغربيون حليفهم السلطان سليم على أعماله هذه. تذكر الموسوعة الإسلامية [المترجمة عن الأصل الإلجليزي) في تعريفها لعهد السلطان: «امتاز عهد سليم بالحروب المشؤومة التي شنت على الدول الأوروبية»"".
إن قرا بسيطة وعابرة لوضع الامبراطورية العشمانية فيي عهد هذا السلطان تؤكد كذب هذه الدعاوى» فلم يخض أي حرب خارج حدود الامبراطورية. بل على العكس كان طيلة الوقت يصد هجوم الأرروبيين على الامبراطورية. فعلى أثر الاتحاد الذي أعلن بين الجيوش الروسية والجيوش النمستوية هجمت هذه الجيوش على القوات
* في اعتقادنا أن أرل معاهدة عقدتها الامبراطررية العشمانية مع دولة مسيحية تعود إلى زمن أبعد بكشير من القرن الثامن عشر. بصل إلى قرابة قرنين قبل ذلك. نقد عقد السلطان مليمان القاترني عام ٠٠١۴١١ سعاهدة الامتيازات الأجنبية مع ملك فرنسة الأول» وكان قد سبق للطرفين أن تحالفا عكريا للرقرف ضد توسع اميراطور النمسة شارل كوين في أوروبة. ودانعت الجيوش الإسلامية عن جنرب فرنسة ومصالمحها في البحر الأبيض التوسطء رحفظت لها وحدتها القرمية. أنظر الفصل السابق.
العشمانية فما بین ۳۱ تموز(يوليو) ۲۲ أيلول (سبتمبر) ۱۷۸۹م» واستولى الروس على مدينة بندر الحصينةء واحتلوا معظم بلاد الفلاخ والبغدان ويسارية» ودخل النمسويون مدينة بلغراد وفتحروا بلاد الصرب"". وفي عام ۷۹۸٠م حركت فرنسة جيوشها بقيادة تأبليون بونابرت واحتلت ولاية عشمانية هي مصر. ولقد كانت عواقب هذه الحروب مشؤومة على الامبراطورية العثمانية.
وعلى الرغم من هذه الحقائق الدامغة التي توردها كتب التاريخ تقوم الموسوعة بتزوير التأريخ وتدعي بأن السلطان سليمء رغم کونه حلیفا للغرب» هو الذي شن الحروب المشؤومة على الدول الأوروبية. فقي العرف الغربي لا يكن إلا أن يكون الإسلام معتديا وتكون الحضارة اليهودية المسيحية ضحية هذا الاعتداء الهمجي ٠!
المواجهة الحاسمة
كان أوائل سفراء الامبراطورية العشمانية في أوروبة قد سهلوا عملية نقل النموذج الأوروبي للإصلاح. واستدعى السلطان محمود الأول ٤-۱۷۳۰( ١۷٠م) الكونت دي بونفال ليشرف على الشؤون المسكرية ويدير مدرسة الهندسة. وقام السلطان مصطفی الثالٹ (١۱۷۷۳-۱۷۷١ءم) باستقبال البارون دي توت الذي أرسلته الحكومة الفرنسية لإجراء تحقيق عن القوة العمسكرية العشمانية ""» وعينه مديرا لمدرسة المدفعية ومدرسة البحرية ومشرفاً عاماً على مصانع الأسلحة. ووضع السلطان سليم الثالث (۷۸۹٠-۷٠۱۸م) فرنسيا كعضو في المجلس الاستشاري الذي أسسه لإدارة البلاد وإصلاحها. وتولى الخبراء الأوروبيون مهام إرساء الأنظمة التعليمية الغربية في قلب الامبراطورية العشمانية*. وبذلك فإن الامبراطورية بدأت تسير قسرا باتجاه مواجهة عسكرية حاسمة مع القوى المعارضة للتحديث.
لقد انطوت مع مقتل السلطان سليم الثالث والسلطان مصطفى الرابع ورقة
# أقام انيرا ء الأجانب والفرنسيون بخاصة» وكان يوجد منهم العشرات في زمن السلطان سليم» المعاهد والمدارس وأدخلرا أنظمة تعليمية جديدة وأصبع تدريس اللغة الفرنسية إلزاميا.
۵١
التمردات العسكرية التي تقوم بها الانكشارية بالتعاون مع رجال الدين ومعارضي التحديث. فاستلام السلطان محمود الثاني (۱۸۳۹-۱۸۰۸م) كان بداية مرحلة جديدة في تاريخ الامبراطوريةء إذ استشعر الخبراء الأوروبيون ودعاة التحديث قرب المواجهة النهانية بينهم وبين الانكشارية. وكانت الظروف الخارجية والداخلية للامبراطورية صعبة للغايةء فالسلطان يشعر بضغط الوهابيين في شبه الجزيرة المربية. وبا متمردين اليوتانيين في المورة ومياه بحر الأرخبيل. وكانت لا تغيب عن ذهنه العدأوة التقليدية والمزمنة بين الدولة العشمانية وروسيةء وقد شهد مطلع حكمه استثناف الحرب ضد روسية التي أوقعت هزائم با لجيش العثماني. يضاف إلى ذلك خشيته من عزم محمد علي باشا الاستقلال بحكم مصر,. لذلك اتبع سياسة جديدة قائمة على ضرب الأعداء بعضهم للبعض الآخر والاستفادة من إضعاف الجميع. فقد استعان محمد علي للقضاء على الحركة الوهابية والتمرد اليوناني» وعندما نجحت القوات المصريةء باسم السلطان. في استرداد مدينة مسولنجي من المتمردين اليونانيين رأى السلطان أن فرصته قد حانت لمواجهة الانكشارية.
لقد بداً السلطان محمود في ربيع ١١۱۸م بتنفيذ الخطط التي كان رسمها قبله السلطان سليم الغالث وبا ت حينها بالفشل» فأصدر أمره بإنشاء جيش نظامي أطلق عليه اسم معلم اشكينجي أي الحرس المدرب. ولقد بعث إليه بالمدربين الذين اقتضاهم إنشاء هذا الجيش محمد علي والي مصر ... وكان الانكشارية قد طالبوا بالغاء قوانين التدريب المستحدثة للجيش الجديدء ولكن السلطان أمرء بموافقة الملماءء أن تنشر الراية النبوية» وكأنه يبغي قتال فثة من الكفار» وأوعز إلى الجيش, بعد أن حُشد على السرعة» بتطويق الانكشارية في ساحة آت ميدان القائمة تجاه ثكناتهم ومن ثم دارت رحى مجزرة لم يسلم من هرلها أحد منهم» وقتل نحو ألف من الانكشارية في الأقسام الأخرى من المدينة, وألقيت رايتهم ولباسهم الفارق الخاص» أي القلنسوة فيي الوحول» وهدمت مساجدهم ومقاهيهم التي ألفوا غشيانها. ليس هذا فحسب» بل ألغيت الطريقة البكتاشية المتصلة بالانكشارية'".
تم القضاء على المؤسسة العسكرية العشمانية التقليدية» التي كانت محط
o
أنظار العالم كله في أيام مجدها المتيد والتي كتب عن شجاعتها ومنعتها الأعداء قبل الأصدقاء. يقول أحد المستشرقين عن الانكشارية: «فهي التي كان مستقبل الدولة العشمانية يعتمد إلى حد كبير عليها ... فقد أحرزت الدولة العثمانية أعظم انتصاراتها بفضل الانكشارية»"". ويذكر آخر: «يكفي أن توجد فرقة واحدة من الانكشارية في أي جيش عثماني لكي يستميت هذا الجيش كله في ميدان القتالء فالامراطورية قامت وظلت قائمة بفضل الانكشاريةء"".
لقد كانت الانكشارية أول جيش مدرب ومنظم ودائم في أوروية. وعلى عاتق هذه المؤسسة قامت الفتوح العشمانية ويخاصة في أوروبة» ولكن كان ذلك في عصر الانكشارية الذهبي. فقد أهملت هذه المؤسسة الفاعلة وما عاد السلطان يقودها بنفسه في حروب الامبراطورية منذ أن تخلى عن ذلك سليمان القانوني» فتردت أحوالهاء وفسدت قوتهاء ولم تقم محاولات جادة لإصلاحها في الوقت المناسب» فكانت سببا إلى جانب أسباب أخرى فيما حدث من صراعات داخلية وهزائم عسكريةء حتى أصبع الوضع الداخلي للامبراطورية أشكال مشوهة من الصراع الدموي ما بين فريقين هما:
- السلاطين الذين يحاولون جاهدين تقوية قدراتهم المسكرية للدفاع عن الامبراطورية. وذلك باللجوء إلى الإصلاحات» راغبين أم كارهين» والتي انتهت لتتخذ ما في الغرب نموذجا لها.
- الانكشارية وقد باتت مؤسسة عسكرية بائرة تعاني الهزائم المتلاحقةء ولكنها وعلى الرغم من كل شيء بقيت السلاح التقليدي الوحيد في أيدي دعاة الأصالة وعلماء الدين الذين أدركوا بأن زرع أنظمة عسكرية أو سياسية أو ثقافية غربية في تربة إسلامية لن ينتج عنه سوى صراع تدفع ثمنه البنيات التقليدية للمجتمع الإياني الإسلامي لصالح أنظمة علمانية وافدةء وذلك ما حدث في نهاية الأمر.
لقد هيمن النموذج الأوروبي «للتقدم» على السلطة المركزية العشمانية» كما هيمن على الولايات العشمانية التي تتمتع ببعض الاستقلال مثل ولاية تونس وولاية مصر. الأرلى بفعل قربها من فرنسة وأسبانية» والشانية بعد حملة نابليون عليها عام
o
4۸ہ
بدأت في تونس أولی بوادر التعرف على المجتمع الأوروبي وسبلل تقدمه إثر إرسال مولاي إسماعيل (۱۷۲۷-۱۹۸۲م) سفيره الغساني إلى أسبانية عام ٠۹٠٠م لكي يغرج عن الأسرى المسلمين هناك فكتب هذا السفير تقريرا مفصلاً سماه «رحلة الوزير في افتكاك الأسير» شرح فيه سياسة الدولة الأوروبية» كما وصف ا مجتمع وعاداته واقتصادیاته وزراعته وتربية الحیوانات» کما نوه إلى الأثر الذي تركه اكتشاف آم كة وتراكم الثروة في أسبانية'"". ومنذ ذلك الوقت بيدأت أواصر التقارب وتضاعف التأثير الأورويي على بايات تونس» حتی قرر الباي حمودة (۱۷۸۲-٤۱۸۱ء) أن يتبنى النموذج الأوروبي في الإصلاح» فقام هو ومن بعده الباي محمود بحل الجيش التونسي التقليدي واستبداله بجيش حديث على النمط الأوروبي.
لقد كان لتونس علاقة خاصة ومتميزة مع فرنسة» فلم تقتصر على إعجاب بايات تونس بنمط الحياة القرنسية وأوجه «التقدم» فیھاء بل کان یغلب على تونس مغالاتها بالولاء لفرنسة على حساب علاقتها مع الامبراطورية العشمانيةء إلى درجة أن السلطان سليم الثالث عندما أعلن الحرب على فرنسة «بعد غزوها لمصر عام ۸ ”مہ وطلب من الباي الوقوف معه» لم يطع الباي حمودة الأوامر الصادرة من الباب العالي» ولم يقطع علاقاته مع الغازي لدار الإسلام. بل ذهب بنزعته الاستقلالية إلى أبعد مدى حين قدم للجيش البونابرتي مساعدات مهمة جدا في مجالات التموين والتسهيلات في الموانئ»"“". ولقد واصل الباي أحمد (۱۸۳۷١-۱۸۵۵١م) مسيرة التحديث هذه حين بنى جيشه على نمط جيش نابليون الذي « كان الباي أحمد يكن له الاحترام الشديد» وقد مر بترجمة التاريخ الفرنسي ولا سيما تاريخ نابليون إلى العربية. ولعل خطوته الأولى في إصلاح الجيش كانت تأسيس كلية الهندسة ومدرسة البوليتكنيك عام ۱۸۳۸م التي سعى من ورائها إلى تدريب ضباط جيشه تدريبا حديثاً. وكان أكثر المدرسين في هذه المدرسة من الأساتذة الفرنسيين ... ولكن الباي الذي حدّث الجيش والتعليم وصنع البلاد أهمل الإدارةء ولم يحدث الاقتصاد » فأغرق البلاد بالديون التي راكمها وزيره مصطفى الخزندار الذي ربط البلاد بالمرابين
o
الأوروبيين واتخذت هذه الديون ذريعة لتدخل هؤلاء في اقتصاد ترنس» وتشكيل لجنة الديون الأجنبية عام ۹١۱۸م قبل أن تتخذها الجيوش الفرنسية حجة لفزو تونسواستعمارها ۾" .
تلك هي قصة البايات في تونس الذين أرادوا التحديث سريعاء وفضلوا الوقوف مع الجيش البونابرتي في محنة الدولة العشمانيةء بدلا من المحارية إلى جانبها. تعجلوا «الحضارة» بمحاكاة «التقدم» الفرنسي» فأسرعت لهم جيوش بونابرت لاستعمارهم قبل غيرهم.
أما ما حدث في مصر من إصلاح. فعلى الرغم من تماثله مع ما حدث في تونس في الدوافع والنتائج معاء إلا أن قولة حق ينبغي أن تقال بحق محمد علي» وبخاصة ولاؤه للدولة العشمانيةء فقد حارب جيش مصر دفاعا عن أراضي الدولة العشمانية في اليونان عندما استرد المورة من المتمردين» ولم يقف مع الدول الأوروبية. رغم محاولات الأخيرة وهو ما دفع أوروبة للتخلي عن دعمه ضد الدولة المشمانية. بل العمل على محاريته بلا هرادة.
وطالما عرضنا لتجربة الإصلاح في تونس» فمن المفيد أن نعرض لهذه التجربة في مصر؛ وللتجربتين أبلغ الأثر في تبيان جدوى تلك النماذج من الإصلاحات التي استخدمت سراء في الولايات العشمانية آم في عاصمة الدولة العثمانية ونتائجها. إن أفضل من يقدم لنا قصة الإصلاح في مصر هو كتاب « أوروبة ومصير الشرق العربي » وهو أكشر الكتب حماسا ودفاعاً عن تجربة محمد علي باشا في مصر. وعليه فقد قمنا بجمع فقرات من صفحات عديدة من الكتاب وخرجنا منها بالصورة التالية: كان محمد علي يريد أن يحيط نفسه بطبقة أرستقراطية من ملاكي الأراضي تدين له وحده بشروتها مستلهما في ذلك تجربة نابليون - وقد رأى فيه أتباع سان سيمون حامل نظريتهم الاقتصادية - واستعان محمد علي بمئات الضباط الأوروبيين لبناء جيش جديد. وأوكل قيادة هذا الجيش لضابط فرنسي هو جوزيف سيف» تعاونه هيئة أركان فرنسية مكونة من الضباط: بلاتاء دومرغء كادو» كيسون وغيرهم. وكان القنصل الفرنسي دروفيتي يشجع هذه التجربة بشكل ظاهر وأرسلت حكومة باريس أربعة
00
آلاف بندقية لسد حاجات الكلية الحربية... وقد انشئت مدارس عسكرية عديدة في مصر وضعت تحت قيادة وإشراف ضباط فرنسيين مشل: بلاناء دي غوتار؛ ديفونور وفاران وكذلك الإيطالي بولوغنيني والأسباني أنطرنيو دي سيغيرا وغيرهم...» وصار الضباط المتفوقون يرسلون في بعثات للتخصص في فرنسة.
توافد أتباع سان سيمون الفرنسيون المطرودون من استانبول إلى مصر لكي ينظموا وزارة التعليم العام. وأشرف الكاهن دوم رافائيل على مطبعة بولاق عام ١ام» فنشرت كتباً عربية وتركية وفارسيةء كما نشرت ترجمات لأفضل الكتب الغرنسية والإمجليزية؛ وأرسل محمد علي عشرات الطلاب في بعشات دراسية إلى الخارج ولا سيما إلى فرنسة» وكذلك إلى إنجلترة والنمسة.
في الواقع كانت الحكومة الفرنسية» تفكر في تسخير محمد علي لطامحها الخاصة بمصر. ذلك أن حلم نابليون احتلال هذا البلدء وبالتالي قطع طريق الهند الذي كان وما يزال أمرا ثابتأ ني سياسة باريس الشرقية. وقد عبر القنصل الفرنسي دروفيتي عن هذه النوايا بصراحة زائدة في رسالته إلى الوزير في ۷ آب (أغسطس) ١م « كانت عملية البناء العسكري للقوات المصرية التي عهد بها إلى بعثة ا جنرال الفرنسية تهد للأحداث التي تجعلنا يوما ما نمتلك هذا البلدع".
تلك كانت حقيقة النوايا الغربية تجاه مصر» في وقت سعت فيه مصر محمد علي للإصلاح وفق النموذج الغربي كما فعل سلطان القسطنطينيةء وقد دفع الاشنان ثمنا باهظاء عبر عنه أبلغ تعبير محمد علي باشا بعد أن انتصر جيشه في معركة نصیبین عام ۱۸۳۹م على جيیش السلطان محمود الثاني؛ فقد سلم القبطان باشا أميرال الأسطول العدماني لباشا مصر جميع قطع أسطوله وأدى الضباط يين الطاعة لحمد علي» فألقى فيهم كلمة وصف في آخر مقطع منها حقيقة التحديث في مصر وفي الامبراطورية إذ قال « أنتم في القسطنطينية ارتديتم اللباس الإفرنجي وتصرفتم بعقول تركية. أما أنا فحافظت على لباسي التركي وتصرفت بعقل أروربي».
ولكن الحقيتة التي لم يدركها محمد علي آنذاك هي أمرٌ من ذلك» فلا اللباس الإفرنجي» ولا العقل الإفرنجي قد حالا دون أنهيار الاثنين معا واستغلال الدول
0٦
الأوروبية لهما. فقد بدأت الوصاية على الباب العالي؛ وتم سحق القوة المصرية وفقا للبروتوكول النهاني لمؤقر لندن الذي وقعه مندوبو التحالف الأوروبي الرباعي في ٠١ قوز (يوليو) ١٤۱۸م. عادت سورية إلى الحظيرة العشمانية بغضل التدخل الأوروبي» فبدأت مرحلة جديدة تتنافس فيها الدول الأوروبية في هذه المنطقة على مسألتين خطيرتين سيكون لهما بالغ الأثر في مستقبل المنطقة وهما:
- حماية المسيحيين السوريين.
- إسكان اليهود الأوروبيين في فلسطين ومحاولة تدوبل القدس وضراحيها.
وما زلتا نعاني إلى الآن من تبعات المسألتين معا فهل هناك أفظع وأنكر من ثمن التحديث هذا ؟
بعد هذه الجولة التاريخية التي وجدناها ضرورية لدراسة نشأة حركة الإصلاح العشمانية وتطوراتهاء نصل إلى حيث يبدأ جميع الدارسين للتاريخ العشماني» فالإصلاح بالنسبة لهم هو التنظيمات التي لم تكن سوى المرحلة الأخيرة» ليس في محاولات الإصلاح فحسب» بل في سيادة واستقلالية الدولة العشمانية ذاتها. وقد بدأ فقدانها لهذه السيادة عندما قبلت الضغوط الأوروبية التي ظهرت بصيغ عدة: الامتيازات الأجنبية؛ الحماية الأوروبية للطوائف الدينية في الدولة المثمانية؛ القبول بإلغاء مؤسسات إسلامية ووضع مؤسسات أوروبية مكانها كالأنظمة التعليمية والعسكرية والتجارية.
لقد بدأ هذا الانحدار عمليا عندما توفر لأوروبة» بفعل الوضع الدولي» كل سبل العدخل المباشر في شؤون الامبراطورية. فقد وصلت الدولة العشمانية في حينها إلى ما عبر عنه ابن خلدون بالطور الخامس -طور الإسراف والتبذير «ويكون صاحب الدولة في هذا الطور متلفا لما جمع أولوه في سبيل الشهوات والملاذ والكرم على بطانته وفي مجالسه واصطناع أخدان السوء وخضراء الدمن وتقليدهم عظيمات الأمور التي لا يستقلون بحملهاء ولا يعرفون ما يأتون ويذرون منهاء مستفسدا لكبار الأولياء من قومه وصنائع سلفه حتى يضغنوا عليه ويتخاذلوا عن نصرته مضيعا من جنده بما أنفق أعطياتهم في شهواته وحجب عنهم وجه مباشرته وتفقده فیکون مخربا
o¥
لما كان سلفه مؤسسون وهادماً لا كانوا يبنون. في هذا الطور تحصل الدولة طبيعة الهرم ويستولي عليها المرض»"".
تلك كانت صورة الامبراطورية بالفعل» فقد أسرف السلاطين على ملذاتهم. وعرفت الدولة العشمانية» بعد سليمأن القانوني انحرافا كبيرأ عن روح الإسلام وتقاليده» فاستحدث نظام الحريم ونظام ا لخصيان» وأتلف السلاطين إرث الدولة وثرا مها على مجالسهم وبطانتهم وتقاعسوا عن قيادة الجيوش في معارك الاميراطورية الكبرى التي كانت سببافي عظمتها ونصرتهاء وأوكلوها للولاة الذين سرعان ما شعروا بأهميتهم وبدأت محاولاتهم للاستقلال بالسلطة. حتى إذا ناداهم السلطان لنصرته في حروبه مع الأعداء الأوروبيين خذلوه» وساعدوا العدو عليه. ومن ناحيتهم انشغل الجند في مصالحهم اليومية وتقاتلوا مع إخوانهم في الإسلام» فهزمت الدولة واستولى عليها المرض» فسميت بالرجل المريض.
وفي حالة الوهن المرضي هذه وبعد محاولات الترويض التي اأمتدت عبر قرون ثلاثة وصلت الامبراطورية إلى حالة الاستسلام النهائية للنظام الدولي» فقبلت بشروطه للالتحاق بركبه» وهكذا اقتربت من المرحلة الأخيرة من عمر حركة الإصلاح في الدولة المثمانيةء وهي المرحلة التي ستتحول فيها محاولات الإصلاح على النمط الغربي إلى قوانين رسمية سمیت ب «التنظيمات ».
بدأت حركة الإصلاح -كما أسلفنا- في القرن السادس عشر وكانت غايتها تجديدا بنيوياً ومؤسسيا من الداخل ضمن شروط الواقع العثماني ومستلزماته العقيدية الإسلامية والتاريخية. وحين لم تنتقل تلك المحاولات الإصلاحية من النظر إلى العمل لتعيد ترتيب المنزل العشماني» اضطرت النخبة للالتجا ء إلى الحل الأسهل وهو استيراد النماذج الأوروبية الجاهزة للإصلاح. دخلت الامبراطورية في مرحلتها الثانية مقننعة بأن نجاح روسية القبصرية بتبني النموذج الغربي الجاهز لإصلاح ا لمؤسسة العسكرية يمكن أن يتكرر في الامبراطوريةء ولكن تباين المجتمعين الروسي والعشماني وطبيعة الحكم العثماني قد حالت دون ذلك.
في المرحلة الثالشة من عمر الإصلاح وهو ما أطلقتا عليه «الإصلاح ا لمفروض»
O^
كان على السلاطين أن يقوموا بعملية اختيار صعبة ومصيرية ما بين الاستغناء كليا عن النماذج الجاهزة والعودة لحركة التجديد الداخلي. والتي تفرض بداية تغيرات جذرية في بنية الحكم وأنظمعه وعلاقاته وإلغاء امخيازات الطبقة الحاكمة وترشيد مصروفات القصور السلطانية» وهو قرار يفترض تضحيات من أرباب السلطةء أو أن يذهبوا في مسيرة الإصلاح إلى أبعد تما حدث وذلك بالخضوع إلى شروط جديدة تفترض الاستعانة بالغبراء الأوروبيين للادارة والإشراف على مشروع الإصلاح» وذلك ما کان. ولم يحتسب «دعاة الإصلاح» حينئذ الكلفة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية لهذا القرار الذي وضع الامبراطورية قاب قوسين أو أدنى من الهاوية.
التنظيمات
وما الهاوية في التاريخ العثماني الحديث سوى التنظيمات التي أعلنت اعتراف السلاطين نهائيا بشروط الاستسلام الحضاري للغرب. فقد أنجزت المراحل السابقة عملية التغريب اللازمة للنخبةء وكانت أولى ثمرات التغريب في المجتمع العثماني قد حدثت عندما تخرج من المدارس الأوروبية مجموعة من أبناء رجالات الدولة يحملون أفكار ما يسمى بعصر «النهضة» والشورة الفرنسية وقيمه» فقد تبوأً هؤلاء أرفع المناصب في الدولة: (تراجمةء دبلوماسيون» تقنيون» قأدة جيوش) وهم الذين كانوا وراء حركة التحديث التي بدأت رسميا بصدور خط كلخانة في الثالث من تشرين الغاني (نوفمبر) عام ۱۸۳۹م حيث كان الصدر الأعظم رشيد مصطفى باشا المسؤرل الأول عن صدور هذا الخط. وقد رمى من إصداره إرضاء الدول الأوروبية التي زاد مع الأيام تدخلها في شؤرن البلاد (حل المسألة اليونانية والاتفاق مع محمد علي)» كما رمى إلى توطيد الثقة بحكومة البلاد. وقد حقق هذا الغرض المزدوج إلى حين» ولكنه ما أن هم بتنفيذ هذه الإصلاحات حتى اعترضته صعاب جمة. فقد كانت النظم الجديدة تقوم على أساس النظم الإدارية في الدول الأوروبية عامة وفرنسة بنوع خاص. ومن ثم قامت في وجه الدولة عند إدخالها إلى البلاد مشاكل وامخيازات لم تظهر في النظام القديم بهذه الصورة الخطيرة""» وسوف نعرد لاحقا لبحث الصعويات والاعتراضات
۵۹
التي أثيرت بوجه التنظيمات. لكن المهم هنا هو التأكيد بأن هذا ا خط كما تذكر الموسوعة الإسلامية جاء إرضاء للدول الأوروبية.
ولكن ما الذي احتواه هذا الخط؟ يفيد الاطلاع على بنوده ومقارنتها بنظم أوروبية أخرى. أنه جمع في توجهاته الأساسية أغلب البنود التي احتواها الإعلان الفرنسي لحقوق الإنسان لعام ١۱۷۸ء فقد اشتمل على «الأمنية الكاملة مقتضى الحكم الشرعي لجميع أهالي نمالكنا المحروسة على نفوسهم وأعراضهم وناموسهم... وتكشير أعضاء مجلس الأحكام العدلية بقدر اللزوم... وأن يجتمع أيضا هناك وكلاء ورجال دولتنا العلية. في بعض أيام يصير تعيينهاء ويتكلموا جميعاً بحرية غير متأخرين عن إبداء آراتهم ومطالعاتهم» ويتذاكررا من جهة القوانين المقتضية فيا يخص هذه الأمنية على الأنفس والأموالء"".
وفي المجال الضريبي فقد ألفى الخط نظام الالتزام» وحاول اعتماد نظام ضريبي جديد. كما أكد ضرورة ا مضي في تحديث الأنظمة العسكرية فحدد مدة التجنيد بأريع سنوات أو خمس فقط. أما دوافع صدور هذا الخط وترتيباتها فكشيرة جداء ولكن الرأي الغالب هو أن الصدر الأعظم رشيد باشا أراد من ورائه أن تقف الدول الأوروبية معه في حربه ضد محمد علي باشاء فقد غمزهم با معناه «لم توافقون على تحدیث وتبعية ولاية عشمانية فحسب» إذا كنت أضمن لكم تحديث الامبراطورية كلها بكل ولاياتها». وبالفعل حاريت أوروية حليفها السابن محمد علي لأسباب من بينها هذا السبب وموقنه في قمع التمرد في اليونان» وضحت محمد علي لتكسب الامبراطورية کلها.
كانت سنة صدور خط كلخانة حدثا في الأوساط الأوروبية يسجله أحد المبشرين المسيحيين الفرنسيين بقوله «کان عام ۸۳۹٠م عام عظيما بالنسبة للتوغل الفرنسي في تركية... لقد كان بداية التنظيمات والسنة الأرلى في الإصلاح... ونحن رجال الدين سنبدأً بالاستفادة من هذه الليہرالية الخجولةء ونبدأً بإرسالية تبشيرية للتعليم الكاثوليكي»'* ويستعين بقول للسيد إيتيان الذي يترآس هذه الإرسالية ونصه: «هذه أول إمكانية لتعزيز انتصار الإيمان الذي سنعلمه للشباب» ذلك لأن القرآن
يحرم حتى ذلك الوقت التعليم )١( لقد سافرت أول إرسالية مكونة من سبعة رجال دين في ۱۸۳۹/۱۱/۲۱م إلى إستانبول... الأخوات يفتحن دارا لليتامى وفصولا للتدريس» في نهاية ١٤۱۸م صل عدد التلامیذ ۲۳۰. وعام ١٤۱۸م يصل العدد إلى .*"»٠ ٠١ وهكذا لم تضيَع أوروبة المسيحية وكنيستها وقتا طويلاً للاستفادة من ظروف التحديث والتاظيمات. فبعد سبعة عشر يوماً من صدور الخط. كانت الإرسالية التبشيرية الأولى تغادر مارسيلية باتجاه الماصمة العشمانية» وهي تحمل أفكارها العدائية للمسلمين ولقرآنهم الكريم الذي تتهمه « بتحريم التعليم» !!
تطورت الأمور في عاصمة !لسلطنة ونتج عن حرب القرم (۱۸۵۳-١۱۸۵١م) أن قدَّم السلطان التنازل الشاني عن بعض سياد ته. فأصدر الخط الهمايوني في ٠۸ شباط (فبراير) ١۱۸0م وفي تقديرنا فإن صدور هذا الخط كان بثابة مكافأة لدول أوروبة على وقوفها إلى جانب السلطان والقضاء على خطر محمد علي باشا.
انتقلت عدوى التنظيمات إلى الولايات العشمانية العربية شبه المستقلة وبسرعة. ففي تونس أصدر محمد باي «عهد الأمان» عام ۷١۱۸م وبثاه على القواعد العالية:
أولأء الحرية: إذ أن الإنسان لا يستطيع بلوغ الفلاح إلا إذا كانت الحرية مضمونة له وكان العدل سياجا له ضد العدوان.
ثانياء الأمان التام.
ثالثاء وهذا متضمن في النقطة الشانيةء المساواة التامة بين المسلمين وغير المسلمين أمام القانون لأن هذا الحق إنما هو ملك لجميع الناس» ويجب أن يكون للأجانب حقوق التونسيين» وأن يمارسوا الأعمال التجارية على أنواعهاء وأن يكون لهم حق التملك"*. وسنعود إلى بحث مسألة حقوق الأجانب في الدولة العثمانية عموما.
وفي تونس صدر أول دستور في بلد إسلامي عام ۰١۱۸م وكان وراء صدوره» حسب ألبرت حوراني""" ءالقنصل البريطاني ریتشارد وود. وفي مصر أسس الخديوي إسماعيل مجلس شورى النواب كمحاولة «إصلاح » تحديثية» وهو المجلس الذي نعته جمال الدين الأفغاني حينئذ با مجلس الذي يتم فيه التصديق رسميا على
4
امتصاص قوت الغلاح واستغلاله» فما ذكرت صحيفة «أبو نظارة زرقاء» فإن «مبعوثي إسماعيل كانوا يدفعون السكان قهرا إلى بيع مواشيهم وأراضيهم ليسددوا الضرائب»“". ولا ريب أن وهم التحديث كان يراود بعض شرائح من النخبة التي أرادت أن ينح إسماعيل مجلس شورى النواب الحرية التامةء وجميع الحقوق في كافة البلاد وإدارة الأمور المالية والداخلية كما هو جار في بلاد أوروبةء وتعديل الانتخاب لتماثل ما يحدث في أوروبةء وإقرار مبدأً مسؤولية الوزارة أمام المجلس""*. ولكن الظروف قد أثبعت بأنه لا النديوي إسماعيل ولا المحتل الإنجليزي كانا يرغبان في منح الحقوق للمصريين» بل هي محاولة تمهيدية لزرع مؤسسات غربية في الوسط الاجتماعي والسياسي والشقافي المصري من قبل الإنجليز. أما الخديوي فقد أراد أن تكون هذه المؤسسات والصحافة سلاحاً بيده في صراعه على السلطة مع الإمجليز» وهو ما يفسر الموقف الحذر للأفغاني وباقي رجالات الإصلاح من هذه المؤسسات» وما ترمي إليه» فضلا عن أن الصحف التي دعمها الأفغاني» وهي «جريدة مصر» لأديب إسحاق و «مرآة الشرق» لسليم عنجوري و «أبو نظارة زرقاء» وغيرهاء قد انتقدت مجلس النواب وتحدثت عن «بداية التفرتج والأخذ عن الغرب».
بصدور هذه القوانين في استانبول وتونس ومصر, تحول التحديث - الذي كان رغبة أورويية تدعمها بعض فثات نخبوية - إلى قوانين رسمية يتعهد فيها السلطان بإجراء التنظيمات اللازمة لتغريب المجتمع الإسلامي. وتحول الصراع بين المسلمين وأوروية إلى نسق آخر أكثر حدةء فالتنظيمات مثلا نقلت الصراع من كونه ضغطا خارجيا على الدولة العشمانية إلى الداخل أي إلى صراع داخلي عنيف بين سلطة اختارت أو أجبرت على تغريب المؤسسات ومجتمع يرفض هذه المؤسسات مستعينا برجال الدينء وما يسمى ب «المحافظين » الذين واجهوا بقوة تيار التحديث من منطلق أنه مخالف للشريعة الإسلامية. ولقد اتخذ هذا الصراع مستويات عديدة» أبرزها قرار رجال الدين بتكفير الصدر الأعظم رشيد باشاء ذلك لأن التنظيمات أقرت إنشاء مجلس الأحكام العدلية الذي كلف بوضع التشريعات» وهذا عمل قد أدى إلى حرمان رجال الدين من حقهم في التشريع والإدارة واعتبروه تحدياً لهم» بل هو بدايات اتجاه
1۲
فصل الدين عن الدولة وإرساء النظام العلماني» وهو غاية التحديث وأمل الأوروبيين.
إن من أبرز خصائص التنظيمات أنها :
-١ كانت أولى الوثائق الرسمية التي لم تستمد مصدريتها من الشريعة الإسلاميةء بل اعتمدت مصدرا وضمياً للتشريع مستوحى من التجربة الدستورية الأرروبيةء وقد احتوت على مفاهيم غربية مثل «وطن» التي تضمنها خط كلخانة بدلا من «الأمة» فكانت والحالة هذه أولى الخطرات نحو فصل الدين عن الدولة.
- إن «إقرار الأمنية الكاملة» و «عهد الأمان» و «مجلس شورى النواب» أو ا لمظاهر الأخرى المسترحاة من التجربة الغربية» قد سمحت بإضفاء نوع من الشرعية على استمرار الحيف على العامة من ناحيةء وفتحت الطريق لطبقة التجار الغربيين والمبشرين لإلحاق المجتمع العثماني بقرانين السوق ويمعايير الفكر التبشيري من ناحية ثانية.
٣ لقد تکلل خطا كلخانة وهمایون بدستور مدحت باشا عام ١۱۸۷م. ولأول مرة في تاريخ الإسلام ودوله يجري العمل بدستور مأخوذ عن الدستور الفرنسي والبلجيكي والسويسري» وهي دساتير وضعية علمانية.
لقد وضعت التنظيمات الدولة العشمانية رسمياً على طريق نهايتها كدولة اأسلاميةء فعلمنة القوانين» ووضع مؤسسات تعمل بقوأنين وضعيةء والابتعاد عن التشريع الإسلاسي في مجالات الشجارة والسياسة والاقتصاد» قد سحب من الدولة العشمانية شرعيتها في أنظار المسلمين. ناهيك أن عدو الدولة أصبح داخلياء فالتوغل الأوروبي في مستوياته الثقافية والاقتصادية والسياسية من ناحية» والمسلمون وعلماء الدين الذين يرتابون بمسلك الدولة من الناحية الفانية» سيبدأون صراعا لن ينتهي حتى بعد نهاية الدولة العشمانيةء بل استمر إلى يومنا هذا.
إن نما يؤسف له أن الفكر الإسلامي لم يقوم بشكل نقدي ما حدث في هذه المرحلة فلا زلنا نردد عبارات عن «الفكر التهضوي » و «حركة الإصلاح» و «المصلحين» دون أن نتأكد من حدوث هذه النهضة وذلك الإصلاح بالفعل ! ويكفي أن نأخذ مثلا بسيطا من هذه المرحلة ونحاول دراسة حجج الدفاع عن التنظيمات لنكتشف
1۳
مدى هشاشتها. ولعل أبرز الممثلين لهذه المرحلة هو خير الدين التونسي. وفي محاولة منا لفهم حقيقة دفاعه المستميت عن التنظيمات وقفنا على سبيل ا مال على التالي: نكر التونسي أن التنظيمات معارضة للشريعة الإسلامية ويؤكد بأن القوى التي وقفت طضد التنظيمات هي:
«العامة التي أنكرت تلك التنظيمات إنكارا حتى ظهرت في بعض جهات المملكة مبادئ الاضطراب». أما سبب ذلك فلأن العامة اعتقدوا بأنها «شرع جديد مخالف للاسلام» وكذلك لأنهاء أي التنظيمات» قد وقفت ضد احتكارات عمال الجهات تمن لهم فائدة التصرف دون قيد ولا احتساب» ويضيف سبباً خارجيا هو دعم الدول الأوروبية لعمال الجهات بقوله «أعانهم على ذلك من كان له من الدول الأوروبية فائدة عدم نجاح سعي الدولة في تحسين أحوال بمالكها »"*.
ومن البديهي أن السبب الأخير هذا لا تلك في نظرنا أي مصداقية ويبدو أن التونسي قد أضافه لأسباب خاصة» ولكننا نستغرب كيف تبناه - دون قحيص- محقق الكتاب معن زيادةء وكيف ردده دارسون آخرون للمرحلة فأصبح مثابة الحقبقة المطلقة ! كيف يكن أن تقف الدول الأوروبية ضد التنظيمات التي شرعنها هي بنفسها وسهرت على تطبيقها إلى درجة أنها شكلت لجنة دولية لذلك. فخط كلخانة جاء إرضاء لأوروبة كما سبق ووضحناء وكذلك خط همايون» وهو أمر تؤكده الموسوعة الإسلامية حين تذكر «إبان المحادثات التي سبقت موقر الصلح الذي عقد في باريس» فقد رغب حلفاء تركية (أي الدول الأوروبية) من السلطان أن بعقد اتفاقا دوليا يتعهد فيه بتنفيذ الإصلاحات المزمع القيام بهاء فتبع هذا صدور خط همايون ۹ہ“ . أما کارل بروكلمان فيذكر « أصدر السلطان تحت ضغط هذه الدول [الأوروبية]) منشور إصلاح ثان عرف باسم خط همایون »*.
ليست هذه أحكاماً جزافية بقدر ما تترجم الواقع العملي لهذه الإجرا ات. فخط كلخانة كما تعترف الموسوعة الإسلامية التي يحررها المستشرقون قد أخذ في اعتباره الطوائف ذات المصالح التالبة:
-١ الموظفون المدنيون وضباط الجيش.
\
۲- الرعايا المسلمون الأحرار وعلى رأسهم العلماء.
۳- الرعايا غير المسلمين.
-٤ المصالح الأجنبية"“.
وهنا معتاه أن الخط المذكور قد تعامل مع دولة للمسلمين وأخرى لغير المسلمين حين وضع المصالح الأجنبية وغير المسلمين في الدولة في كفة؛ رالمسلمين في كفة أخرى. ورغم ما في هذه المعاملة من جور وظلم فقد غضب الرعايا النصارى راليهود على هذا القانون لأنه يساويهم با لمسلمين وهم يريدون أكثر. وكما تعبر عن ذلك أصدق تعبير الموسوعة الإسلامية حين تذكر: «بيد أن منع الرعايا من النصارى واليهود ما للمسلمين من حقوق كان معناه تجريد النصارى من القسط الكبير من الحكم الذاتي الذي تمتعوا به منذ عهد محمد الفاتح »"".
وإلى جانب ذلك فإن أخطر ما جاءت به التنظيمات هو تعزيزها لنظام الامتيازات الأجنبية ولقد تبين ذلك بشكل واضح من خلال عهد الأمان في تونس وخط كلخانة في استانبول» حيث أقر رسميا حق الأجانب بممارسة كل أنواع التجارةء وبحقهم في تملك الأراضي» وهو أمر جاء بترتيبات سريعة وخطيرة في الواقع الاقتصادي الإسلامي» لاحظه خير الدين التونسي بنفسه حين قال «إن هناك جالية كبيرة من التجار الأرروبيين في تونس يشكلون عنصرا غريبا في صلب الأمة يستحيل امتصاصه» كما يشكلون خطرا عليها تاجما من استخدام الحكومات الأرروبية لیا
رغم هذه الامتيازات ورغم الوجود القاعل للأوروبيين في الامبراطوريةء فإن تدخل الدول الأوروبية بعد ١۱۸۵م أي بعد خط همایون لم ينقطع «ففي عام ۱۸۵۹م طالبت هذه الدول إخبارها بسير الأمور فيي الولايات الأرروبيةء وفي عام ۷١۱۸م اضطرت الحكومة العشمانية إلى الإذعان للدول» رولكن هذه الدول لم تحفق فيما بينها على ما يعمل في هذا السبيل» فبينما كانت روسية تطالب بوضع نظام مسرف في اللامركزية كانت فرنسة تشجع الباب العالي على توحيد مختلف طرائف السكان
4)
وتغلب رأى فرنسة وقخذاك»
16
رعا سبق يتضح جلي مدى تأثير أوروبة في صناعة القرار السياسي العشماني. ويحق لنا أن نتساءل إذ! كانت أوروبة تدفع السلطان لإصدار التنظيمات وتفرض تطبيقها فرضا. بل إنها تطالب وفق اتفاق دولي براقبة تنفيذها فتخطط نوعية حكم السلطان لولاياته العشمانية: مركزية أم لامركزية. فكيف يمكن قبول رأي خير الدين التونسي بأنها تقف ضد التنظيمات؟ إن أغلب الظن - في نظرنا - أن الرجل ذكر ذلك لكي يخبر العامة بأن التنظيمات غير مخالفة للشريعة الإسلامية» بدليل أن معارضيها هم المحتكرون في الداخل والدول الأوروبية في الخارج. وهذا رأي قيل حينها للاستهلاك السياسي المحلي» لكن ما يشير استغرابنا هو أن أغلب الدارسين ينقلون الرأي « تلقائيا» دون التأكد من الظروف التي أحاطت به ومدى مصداقيته.
طبقت التنظيمات في جو شديد الاضطراب فقد أصبع للأجانب آخر الأمرء على قلة عددهم» السلطان الغالب بفضل الحريات والمزايا التي منحتهم إياها الامتيازات» وأخذ السلطان يقوى لأن الدول الأوروبية عملت على استغلاله لكي تديم حمايتها للرعايا غير المسلمين في الامبراطورية. وعليه فقد كثر المعأارضون للعنظيمات» ليس في وسط العامة وعلماء الدين كما جرت العادة» بل في صفوف السلطة نفسهاء واعتبر بعض رجالات الدولة أن استمرار التنظيمات بالشكل الذي آلت إليه يشكل خطورة على أمن الدولة العثمانية وسيادتها.
نذكر أن استنكار شيخ الإسلام لخط همايون» انسحب على موقف الصدر الأعظم السابق مصطفى رشيد باشا مشرع خط كلخانة الذي صرح منتقدا «إن خط همايون سار أشراطا بعيدة إلى الأمام وجاء قفزة بدلا من النص على تنفيذ الإصلاح بالتدريج» وانتقد إلحاق الخط السلطاني بصلح باريس ما شكل خطرا على شرف السلطان رالدولة واستقلال هذه الأخيرة وسلامتها»"'. وأيا كانت مصداقية رشيد باشا في قوله هذا فإنه كان أحد أبرز «دعاة الإصلاح» وقتئذ» ولخاوفه هذه دلائل واقعية بالقطع. ولا ريب أن أصواتا غير رسمية أو شبه رسمية أخرى قد ارتفعت منذرة من خطورة الانسياق هذا في جو تغريب السلطنة. فالمؤرخ التركي المعروف
3
أحمد وفيق باشا (المولود في ١۱۸۹ءم) وهو أحد أبرز الدبلوماسيين* وقف هو الأخر ضد التنظيمات وقال «إن محاولة إدخال مؤسسات أوروبية بالجملة إلى تركية وتلقيح النظام السياسي التقليدي القديم بالمدنية الأوروبيةء قبل أن يكون مهيئًا لمل هذا التجديد الحاسم. لا يكن أن تنجح» بل لا بد من أن تضعف السلطنة العشمانية إضمافا يفقدها القوة الضئيلة والاستقلال اللذين تبقيا لها »“. وهكذا نرى فإن التنظيمات» وبخاصة بعد صدور خط همايون. واتفاق ثلة مهمة من أصحاب الشأن على انحقادهاء فيها انتقاص من سيادة الدولة وتشكيك في استقلاليتها.
لم يقف جدل الإصلاح أو التنظيمات عند المسؤولين والكتاب العشمانيين بل استمر حتى يومنا هذاء فعلى كثرة جمهرة الكتّاب الحداثيين وحماستهم المعهودة للتنظيمات» هناك من يقدم نقده لهذه المرحلة التاريخية. نذكر أن عبد الله العروي قال وفي إطار تقويه «للإصلاحات التونسية »: «لم يستطع الباي محمد الصادق التنبؤ بأن إصلاحاته. وهي تعبير عن تأثير أوروبي متزايد» كانت تفصح عن الانحطاط بالسكان التونسيين الذين كانوا لا يستطيعون القيام برد فعل عنيف» فالإصلاحات التي أدخلت ظاهرا لجعل تدخل الدول الأوروبية بغير طائل كانت مهد في حقيقة الأمرء التربة لهذا العدخلء'"".
وقبلل أن مضي في تقدير آثار التنظيمات على البنى الاتتصادية العشمانية. نود الإشارة إلى أن التنظيمات هذه وحتى بشكلها المشره المشار إلبه سابقا بقيت حبرأ على ورق. ولقد أعاقت عملية تنفيذها كثير من الأسباب» تقف على رأسها معضلة الحكم المركزي في السلطنة. الذي ركز أولأ على العاصمة وبعض مراكز الولايات العشمانية وأهمل الباقي. ومن المغيد أن نستمين هنا ا أورده الأستاذ وجيه كوثراني في ذكره للمأزق التطبيقي للتنظيمات في بلاد الشام» حيث ذكر «ولم تقم أجهزة إدارية في الأرياف واقتصرت على الولايات وارتبطت مباشرة بحكومة
* شغل منصب سفير بلاده في فرنسة. ثم أصبح وزير للأرقاف فرئيسا لأول مجلس عئماني منتخب عام
. وهو لغوي معررف وضع أول معجم عشماني هو «لهجة عشماني» وقام بترجمة أعمال موليبر وفولتير وشكسبير وشيلر إلى التركية.
1¥
استانبول. كما عجزت السلطة المركزية من أن تتواصل بصورة منتظمة ومشتايعة مع مختلف السلطات التي تنتدبها حيال السكان لأنها كانت تعاني من صعوبات مادية مشلة لأي مبادرة تتخذها إدارة مفترضة لامبراطورية واسعة وفاقدة لطرق المواصلات ووسائل الاتصال. ولم تأخذ التنظيمات التنوع في البلاد العشمانية بعين الاعتبار»". ولعل أبرز من يوجه النقد إلى المأزق التطبيقي للتنظيمات هو مدحت باشا الذي توج التنظيمات بدستوره عام ١۸۷١م. يقول في تقرير له عن ولاية سورية «ولكننا لم ننظر إلى الواجبات بل أصدرنا اللوائح وحاولنا إجراءها في جميع البلدان ولم تصلح بعمضها إصلاحاً جزئيا. بل لم نسمع الشكايات» وقد اتبعنا مواد القرانين في بعض البلاد ولم تنفذ في بعضها؛ وتركنا القديم ولم نتبع الجديد»"". وأخيراً يشير مدحت باشا إلى العمجز المالي الذي ظهر في قلة عدد الموظفين والعساكر وخفض المرتبات وغياب الإنفاق على الموأصلات والخدمات العامة.
النتائج الاقتصاد ية للتنظيمات
لم تكن أزمة الامبراطورية العشمانية كما أسلفنا وليدة القرن السابع عشرء بل إتها بدأت منذ منتصف القرن السادس عشر وتطورت في القرون اللاحقة. وأسباب الأزمة خارجية وداخلية. خارجية نتيجة نجاح الدول الأوروبية في كشوفاتها الجغرافية. حيث سيطرت على طرق التجارة الشرقية مع الهند كما تم اكتشاف أميركة. إن سيادة أوروبة على البحار الشرقية راحتلالها مواقع بحرية استراتيجيةء قد أدى إلى محاصرة الامتداد العشماني ووجوده في تلك المناطق. بل إن أراضي إسلامية في الخليج العربي قداحتلت بالفعل من قبل أوروبة. وقد أدى هذا التوغل الأوروبي إلى حرمان الامبراطورية العشمانية وولاياتها العربية من موارد مالية مهمة.
ساهمت الكشوف الجغرافية في إثراء الدول الأورربية وتقويتها. فأصبحت سيدة البحاروسيدة سوق الذهب الدولي. وقد عزز هذا الشراء المادي القوة العسكرية الأوروبية. وهذان العاملان انعكسا ضعفا على الامبراطورية العثمانية التي غرقت في مشاكلها الداخلية بعد سليمان القانوني الذي كان السبب الأول في إقرار نظام
A
الامتيازات الأجنبية. هذا النظام الذي أهلك مع الوقت الاقتصاد العشماني» وأدى في النهاية إلى تدهور العملة العشمانية. وقد رافق ذلك الانحدارء انحطاط داخلي تمشل في استحداث قصور الحريم السلطانية واتباع نظام الخصيان غا ضاعف في مصاريف السلاطين دون ان تفطي هذه المصاريف الباهظة إيرادات كافية.
إن قوة العملات الأوروبية وتقدم الصناعة الأوروبية فضلا عما أتاحته الامتيازات الأجنبية قد قابلها ضعف العملة العشمانية وتراجع الصناعة العشمانية, ما سمح بغزو اقتصادي أوروبي للسوق العشمانية تقهقرت معه الصناعات التقليدية ونظام الحرف» وتخلف النظام الضريبي. وعا زاد الطين بلة منح السلاطين حقوقا لكل من فرنسة وألمانية وبروسية وإنجلترة لحماية المسيحيين واليهود داخل الامبراطورية» الأمر الذي جعل هؤلاء يتمتعون بامتيازات الأجانب نفسهاء ويصبحون مع الوقت طبقة من التجار والدبلوماسيين ورجال الدولة مؤثرين» وتحول ولاؤهم من السلطان إلى القنصليات الأوروبية لارتباطهم بها.
جا ءت التنظيمات كنتيجة طبيمية للامتيازات الأجنبيةء وبهما معا انحطت الدولة العشمانية. فلم تكن الهزائم العسكرية للقوات الانكشارية هي السبب الرئيس في تقهقر الامبراطورية -كما يجزم أغلب المؤرخين العرب - بل انهزام الاقعصاد العشماني وتراجع عملته وقدرته وصناعته داخل الامبراطورية أمام الغزو الاقتصادي الأوروبي للسوق الداخليةء وتراجع السيادة العشمانية في الداخل والخارج اقتصاديا أول ثم تراجعها عسكرياً ثانياء فتراجهها سياسيا بارتباط النصارى واليهود العشمانيين بالقوى الأوروبية ثالث ثم تراجع شرعية السيادة الإسلامية للامبراطورية أمام النزعات القومية والعلمانية رابعا. وقد سهلت هذه التراجمات الضغوط الأوروبية في جميع الاتجاهات لزيد من «الإصلاحات» التي ضاعفت المؤسسات الغربية على حساب المؤسسات التقليدية الإسلامية» وكان الهدف واضحا: إلحاق الامبراطورية بركب الحضارة الغربية وإخضاعها إلى الأبد لمعايير السوق الدولية ونظمها وقوانينها.
لقد تحولت الامبراطورية العثمانية إلى «سوق للتصريف ثم إلى شه مستعمرة للدول الأوروبية الرأسماليةء وقد مهدت السبيل إلى الرأسمال الأجنبي مرحلة
3۹
التنظيمات الثانية التي بدأت بخط همايون عام ١۱۸۵م والتي اكتسبت بحكم صلع باريس شكل الالتزامات الدولية وفتحت بابا للرأسمال الأجنبيء إذ تعهدت تركية نح امتيازات السكك الحديدية والبنوك وصناعة التعدين وغيرها من الامتيازات إلى الرأسماليين الأجانب. كما منحتهم حق شرا ء الأراضي في الامبراطورية العشمانية ۾" . ومن سوء حظ الامبراطورية أن رجال الدولة لم يهتموا كشيرا بالأزمة الاقتصادية. فقد شغلتهم» بل استغرقتهم عملية التحديث والإصلاح سياسيا والتي صورت لهم بأنها كفيلة بانتشال الامبراطورية من كل أزماتها. ومع الأسف» « كانت التنظيمات قليلة الاحتفال با لجهود ذات الطابع الاقتصادي. فقد كانت مالية الدولة طوال هذا المهد في حالة يرثى لها. يبهظها تزايد الديون الخارجية من عام ٤١۱۸م وتيذير السلطان عبد العزيز »". فالعملة المحلية وهي القرش العشماني الذي ظهر للمرة الأولى في منتصف القرن السابع عشر, قد تعرض لتدهور كبير في قيمته حيث كانت قيمته في أول إصداره تبلغ خمسة إلى ستة فرنكات ذهبيةء فتدهور حتى وصل إلى فرنكين ذهب عام ۱۷۸۰م وإلی ۳۸ سنتیم عام ۱۸۳۸م" .
ففي عهد السلطان محمود الثاني (۱۸۳۹-۱۸۰۸ء) ونتيجة للاضطرابات الاقتصادية في البلاد تقلبت قيمة القطع الذهبية والفضية عشرات ال مرات مقارنة بالجنيه الاسترليني حتى أن «القرش العشماني قد فقد ۷۸/ من قيمته في الأعوام من ١۱۸۳۹-۱۸۱م». وقد أدت هذه التقلبات النقدية إلى نتائج مدمرة على اقتصاد الامبراطورية وعلى مستوى المعيشة وعلى الموظفين عموماء ففي عام ١١۸٠م تفاقمت الأزمة المالية إلى درجة خطيرة. فالخزينة خالية والجيش لم تدفع رواتبه والجمهورء أمام تعاظم النقر. أصبح أكثر فأكثر معاديا للأجانب والتحديث"". وني عام ۱۸۵۹م ظهر في الميزانية العشمانية عجز يبلغ ٠١ مليون فرنك فرنسي. وقد ارتفع إجمالي الديون إلى ۷۷٤ مليون فرنك ۳٠١( ملايين دين خارجي و ٤۵۰ مليونا قروض قصيرة الأمد). إن استحقاقات الديون القصيرة الأمد قد أجبرت الدولة على الدعوة من جديد لرؤوس الأموال الأجنبية لإقراضها... ولم يوافق على هذه الدعوة سوى الممول ميرس ‰5 الذي تعهد بمنح قرض يبلغ ٠١١ مليون فرنك؛
ونظرا لتدهور العملة التركية بنسبة ۴٠ ٠ عام ١١۱۸م فقد ربح هذا الممول من قرضه مبلغ ٠١ مليون فرنك لقرض لم تتجاوز قيمته الحقيقية بعدما حدث سوی ۳۲ مليون فرنك" "' .
تلك كانت لعبة المرابين الأجانب وأرباحهم الطائلة من قروض قصيرة الأمد لجأت إليها الدرلة العشمانية لكي تسدد أقساط ديون أخرى» حتى أنها وجدت نفسها عام ٥م مجبرة على دفع ١١ مليون ليرة تركية لكي تسدد القسط السنوي لدیونها""".
وعلى الرغم من محاولة السلطان عبد العزيز عند توليه السلطنة عام ١١۱۸م وقف هذا الانحدار باختصاره لنفقات البلاط وإلغائه نظام الحريم. فقد كان الشق أوسع من أن يستطيع رتقه. وقد ورث من أسلافه دينا مقداره ٠١ ملیون جلیه استرليني» وفي سنة ۱٦۱۸م کان العجز قد بلغ ٤٥۰ ملیون قرش. أي ما يمال ٠١۴۳ ملايين فرنك. وفي السنة التالية وفق الباب العالي إلى قرض مع بريطانية قيمته ستة ملايين جنيه استرليني» ولكنه اضطر مقابل ذلك إلى أن برافق على تعيين مفوض بريطاني مهمته مراقبة الوجوه التي تنفق فيها أموال القرض» وبعد برهة وجيزة ارتضى السلطان تعيين مثلين ماليين لسائر الدول العظمى» وبناء على اقتراح هؤلاء الممثلين أنشئ في استانبول ديوان المحاسبة ونك للدولةء ولكن هاتين ا لمؤسستين لم تستطيماء على أية حال» إصلاح المالية العشمانية. وصلت المصاعب المالية أوجها عام ۱۸۷۵م. ففي تشرين الأول أعلن الصدر الأعظم أن العجز في ميزانية الدولة سيضطر الباب العالي خلال السنوات الخمس التالية إلى أن يدفع نصف قيمة الفائدة نقد والنصف الآخر سندات بفائدة ٠/٥ ولم يستشن من ذلك إلا القرضان الأرلان اللذان عقدا يسبب حرب القرم واللذان ضمنتهما بريطانية وفرنسة. والسندات المالية التي يلكها السلطان وتبلغ قيمتها نحوأ من ٠١١ مليون فرنك. والواقع أن الباب العالي كان قد عقد في العشرين سنة الماضية عشرة قروض» آخرها ذلك الذي عقد بأبخس ما يكن من أثمان الإصدار بغائدة يبلغ معدلها ١ .۹ وعند إعلان الإفلاس قدر الدين القديم» مضافا إليه الديون الجاريةء با يزيد على ستة ملايين وربع مليون فرنك ".
۷١
إن الحقيقة الكبيرة التي أثبتتها التنظيمات هي أنها بدلا من أن تجده المؤسسات الاقتصادية الحقليدية وتوفر لها الحماية والتسويق» فعلت عكس ذلك تاماًء إذ أهملتهاء واهتمت بتشريع قوانين للاتجار مع الحارج» وألغت الضرائب على السلع الأجنبية الواردةء الأمر الذي ربط السوق المحلية بقوانين السوق الأوروبية. وقد جات مرحلة الاستعانة بالقروض الأجنبية لكي تعجل بإفلاس الدولة.
ويفيدنا الاطلاع على قرارات التنظيمات الصادرة على مدى أربعين عاماء بداية بخط كلخانة في ۳ تشرین ثاني(نوفمبر) ۸۳۹٣م وانتهاءً بصدور مجموعة القوانين الخاصة بالإجرا ءات المدنية في ۲٣حزيران (يونيو) ۱۸۷۹ء والبالغ عددها ستة وأربعين قرارا (أنظر جدول هذه القرارات في آخر الغصل)ء أن قرارات التنظيمات هذه عبرت عن إهمال خطير للسياسة الاقتصادية للبلاد » بمعنى أنه لم يتم الاهتمام إلا بإنشاء البنك العثماني وصدور مجموعة القوانين ا لخاصة بالتجارة البحرية. وفيما يعلق بالبنك العشماني لا يمكن لهذه الواجهة أن تخدعتاء فالأزمة الاقتصادية كانت مزمنة ولها اختناقات قوية ما بين ١١۱۸1۲-۱۸م. وفي عام ١۱۸۷م أدت إلى تسليم اقتصاديات الدولة المفلسة إلى الخارج» وتم تأسيس صندوق الدين العثماني العام عام ١۸۸م بإدارة فرنسية إنجليزية مستولياً على عائد بعض الاحتكارات مثل الملح والطباق والطوابع والدماغات والكحوليات والحرائر في مقابل رؤوس الأموال المودعة. استكمل هذا النظام بمنح هاتين الدولتين وغيرهما مختلف التنازلات في ا لمجالات التعدينية والمرفثية وا لمناجم» وكانت معفاة من كافة أنواع الضرائب فيما عدا الرسوم الجمركية على المنتجات المستوردة"".
استمر التدهور الاقتصادي العثماني» وأصبحت اقتصاديات الدولة بيد لجنة الديون الدولية التي لم تصادر القرار الاقتصادي للبلاد فحسب بل قراره السياسي أيضاء ولم يعد السلطان يحكم سلطنته دون استشارة السغراء الأوروييين. يضح ما سبق الآتي:
أول: إن مرحلة التنظيمات وبالتحديد السنوات من ۱۸۳۰-٠۱۸۸م قد عرفت تدهورا خطيرا في قيمة العملة المحلية العثمانية» ونحن نتفق مع المؤرخ التركي
¥
كانسال على أن هذا التدهور مرتبط أساسا بالوضع النقدي العا مي وليس بالأوضاع الداخلية العغمانية فق طز" .
ثانياً: إن سياسة القروض القصيرة الأمد قد حالت دون نجاح أي محاولة للإصلاح الاقتصادي في البلادء أو حتى تقليص النفقات التي حاولها بعض السلاطين. فناظر المالية مكبل بالأقساط السنوية التي تفرضها القروض» وفي كل مرة تشتد حمى الديون تتم معا لجتها بقروض جديدة. ومن المعلوم بأن البنوك والممولين الأوروبيين قد تقاضوا فوائد عالية جد على هذه القروض وصلت نسبتها إلى 7/٠١ في السنوات ٠٦۱۸-٠۱۸۸م. حتى أن السلطان عبد الحميد الثاني وفي مرحلة متأخرة يعترف بذلك بقوله «إننا حتی عام ۱۸۸۵م كنا ندفع فوائد مركبة على رؤوس الأموال الأوروبية. وقد طلبنا هذا العام إدخال تعديل على نظام الدفع الذي لا يكن أن نتحمله أكثر غا تحملناه "'.
ثالشا: لقداساهمت حرب القرم (١۱۸0-٦۱۸۵م) في الإنهاك الاقتصادي للدولة العشمانية. بل إنها كانت بداية الاستعباد المالي لهاء ففي إبان الحرب» أي في عام ۱۸۵٤ عقدت تركية أول قرض خارجي لها لتسديد النفقات العسكرية, إذ استلمت نقد ٠٠ مليونا فقط من مجموع ۷١ مليون فرنك هي قيمة القرض الأصلية. وفي عام ٠م أبرم القرض الثاني ومبلغه ٥ مليون فرنك ورخصص أيضا لتسديد النفقات العمسكرية. وتلا ذلك إبرام أحد عشر قرضاء حتى بلغت قيمة القروض الاسمية ٥٠٠١. مليون فرنك» لم تستلم الدولة العشمانية من هذه المبالغ سوى ۲ مليونا نقد فقط أي ٥٦.۸ / من القيمة الاسمية» وحسمت البنوك الإنجليزية والفرنسية من المبلغ المذكور ما يربو على ملياري فرنك كفوائد وعمولة وغشير ذلل*'.
رابعا: إن المرحلة التي سبقت إعلان الباب العالي إفلاسهء قد شهدت أولى مراحل الانتقاص من السيادة العشمانية على أوضاعها الاقتصادية ومتلكاتها في ولاياتهاء فلأول مرة في تاريخ الامبراطورية تقوم الدولة برهن ضرائبها الداخلية لضمان دفع قروضها لإمجلترة وفرنسة» فقد خصصت الجزية التي كانت تدفعها مصر كضمان
4
لدفع قرض عام ٤١۸١م. كما أخذت مداخيل جمارك أزمير وسورية ضمانا للقرض الثاني عام 00م
خامساً: إن إعلان الباب العالي إفلاس الخزينة عام ١۱۸۷م لم يحل دون قيام الدولة بإبرام قروض وديون جديدةء فقد تفاقم الوضع الاقتصادي في السنوات التي تلت الإفلاس إلى درجة أن رئيس اللجنة المالية في مجلس المبعوثان الذي أعيد افتتاحه بعد الانقلاب الدستوري عام ۹۰۸م جد نميران يقول: «على مدى الشلائين سنة الأخيرة رأينا أن إيرادات الحكومة لم تزد شيثاء في حين نرى بسرور زوج بامتعاض في دخل إدارة الديون الممومية زيادة عظيمة فهذا رسم الدمغة زاد /٠١ وا ملح مئة في المئة والحرير "٠٠١٠١ '.
لقد استمرت الأزمة الاقتصادية تفرض نفسها عنوةء وتحصدر جدول أعمال الحكومات العثمانية بعد ذلك. بل أصبحت مع الوقت إشكالية عامة» تجاوزت الحكومة والبر ان إلى الصحافةء ففي مقالة في مجلة المقتطف نشرت عام ۹۱۵٣م نقرأً «لا يقل دين الحكومة العشمانية الخارجي عن مئة وخمسين مليون جنيه؛ ويراد بالدين الخارجي القروض المعقودة في البلدان الأجنبية والسلفات من البنوك والسندات التي لم تستهلك. ويقدر الدين السائر أي عجز الميزانية ونحو ذلك بنحو خمسين مليون جنيه فجملة الدين إلى شهر توز (يوليو) من هذا السنة مئتا مليون جنيه. المباحث التي جرت سنة ۱۸۹۸م أظهرت أن نصيب فرنسة من الدين العشماني كان حينئذ 40/ (مقابل /٤١ سنة ١۱۸۸ء) وبريطانية العظمى /١١ (مقابل ۲۹/ سنة ۱۸۸۹م) والبلجيك /١۱۸ (مقابل ۷/ سنة ١۱۸۸ء) وألمانية /١١ (مقابل 4.0/ سنة ١,)؛ حتى أن روسية ابتاعت في السنوات الأخيرة مقدارا من سندات الدين العثماني لتؤبد مطلبها بتعيين عضو رسمي في إدارة الديون العمومية عام ١۱۸۸م تقرر توحيد الديون العشمانية فتأسست إدارة الديون العمومية. وكان مجموع الديون الذي نيطت أموره لهذه الإدارة مثتي مليون جنيه تقريباًء""".
كانت تلك حالة الامبراطورية الاقتصادية التي أكملت تبعيتها للغرب وجعلتها تعيش تحت رحمة أوروبة. فإلى جانب أنها قد رهنت موقفها الاقتصادي للبنوك
YE
والممولين الأوروبيين فإن آلتها العسكرية» أي جيشها الجديد يديره الخبراء العسكريون الأوروبيون ويسير وفق نظمهم وتقالیدهم واستراتیجیتهم ویحمل أسلحتهم رمعداتهم ولا يتمكن من الدفاع عن الامبراطورية دون القروض الأوروبية. وفضلاً عن ذلك هناك التنظيمات التي قشل في أوضح صورة مدى التأثير الأوروبي على السلاطين» وكيف فقدوا قرارهم السياسي ليس في موقفهم الدولي» ولكن داخل دولتهم أيضاً.
استنادا إلى ما سبق فإن الدولة العشمانية فقدت كل جوانب استقلالها. ولقد تكاملت المساعي الأوروبية لتفريب الامبراطورية مع عوامل الضعف الداخلية. ونال التحديث (التغريب) كل المؤسسات دون استشناء وكان أخطرها التعليم» وقد أدرك السلطان عبد الحميد الثاني خطورة الوضع ولكن جاء إدراكه هذا متأخرا. وبقي عاجزا عن وقف التدهرر. يشير السلطان في مذكراته إلى خطورة انتشار المدارس الخاصة في آنحاء البلاد فیقول بأنھا « تشکل خطرا کبیرا علی بلادناء وقد کان خطؤنا جسیما إذ سمحنا لكل دولة في كل زمان ومكان بإنشاء المدارس التي يرغبونهاء والآن مجني ما زرعناء سمحنا لهم بفتح هذه المدارس» فقاموا يعلمون الطلاب أفكارا معادية لبلادناء الحقيقة أن التصدي لهذه المدارس ليس بالأمر الهين. إذ يظهر أمامنا قنصل دولة أو سفيرها فيحميها من أن تطالها أيدينا». وفي هذا الاعتراف خير دليل على مصادرة الإرادة السلطانية. إذ يكفي أن يعترض قنصل أو سفير لكي يكبل السلطان. ولا يتمكن من وقف الأخطار التي يعي مدى تهديدها للأمة. إن هذا الوعي لم يكن غائباً حتى عن الطبقة الأرستقراطية التي نشأت في المدارس الغربيةء وشكلت جماعة العشمانيين الشباب الذين طالبوا بإقرار دستور مدحت باشا عام ١۱۸۷م. لقد أراد وا دولة دستورية تحد من صلاحيات السلطان. وتحرك الأمة الإسلامية للوقوف في مواجهة التحديات الأوروبية. ولكنهم أخطأوا السبيل حين تحالفوا مع الغرب في صراعهم ضد السلطان» وتبنوا مشروع تحديث الامبراطورية من خلال إقرار التنظيمات.
إِن أحد رموز هلاء هو الأديب الأرستقراطي نامق کامل (۰٤۱۸۸۸-۱۸م) وقد اتهم صراحة الإداريين العشمانيين الذين طبقوا التنظيمات بأنهم سمحوا بالتوغل الاقتصادي للغرب» ذلك لأنهم لم يدركوا قيمة التقاليد الإسلامية الإيجابيةء وتنازلوا
Yo
عنها أمام الغرب""'. إن رأي نامق كامل لا يختلف عن رأي ماثل لمدحت باشا في انعقاده للاداربين العشمانيين» ولكن الحقيقة هي أنهماء نعني نامق ومدحت» وغيرهما من المساهمين في إقرار التنظيمات وتبريرها أمام عامة الناس» كانوا وراء قناعة السلاطين بهذه التوجهات وهم مسؤولون قبل غيرهم عما أحقعه بالبلاد.
وخير من ننهي به بحشنا عن التنظيمات هو السلطان عبد الحميد الشاني (۹-۱۷7۷١۱۹م) الذي كان آخر من حاول إنقاذ الامبراطوريةء بعد أن دارت عليها الدوائر وأحكم عليها الحصار. لقد كان سلطانا واعيا لحقيقة الدعوات التحديشية التي اتخذت لها تسمية «الحركة الإصلاحية» تغطية لنواياها الحقيقية في ربط الامبراطورية بالغرب. وعى ذلك فحاربه الدستوريون ويهود الدوفة وعزلوه. وفي أواخر عهده كتب وهو سلطان مسلوب الإرادة يكشف حقيقة «التجديد والإصلاح» يقول:
«التجديد الذي يطالبون به تحت اسم الإصلاح سيكون سبباً في اضمحلالنا. ترى لاذا يوصي أعداؤنا الذين عاهدوا الشيطان بهذه الوصية بالذات. لا شك أنهم يعلمون علم اليقين أن الإصلاح هو الداء وليس الدواء. وأنه كفيل بالقضاء على هذه الامبراطورية. إذا أردتا أن نتبنى بعض الإصلاحات, فعلينا أن تأخذ بالحسبان الظروف السائدة في البلاد وأن لا نقيس الأوضاع على أساس المستوى الفكري لحفنة قليلة من الموظفين. ويجب أن يكون في الحسبان شكوك طبقة العلماء في كل ما هو أوروبي. الأوروبيون يتوهمون أن السبيل الوحيد في الخلاص هو الأخذ بحضارتهم جملة وتفصيلا. لا شك أن طراز الخطرر عندنا هو غير ما عند الأوروبيين» علينا أن نتطور تحت ظروف طبيعية ومن تلقاء أنفسناء وأن نستفيد من الظروف الخارجية في حالات خاصة. ومن الظلم الفادح أن نتهم بمعاداة كل شيء يأتي من الغرب»""'.
إنها لعمري أفضل تقويم لمسيرة « حركة الإصلاح» العشمانية وللتنظيمات بشكل عام» ولطبيعة العلاقة مع الغرب. كتبها السلطان عبد الحميد واعيا بأبعادها. وبإمكاننا أن نلنقط منها ثلاث حقائق أساسية كانت وما زالت تقف على رأس حركة التجديد الإسلامية. وينبغي أخذها بالاعتبارء العمل وفقها وهي:
- إن الإصلاح الذي فرض على الدولة العشمانية كفيل بتدميرها.
4َ
- لا بد من الركون إلى علماء الأمة والأخذ بشكوكهم في النوايا الغربية.
- الأخذ بالاعتبار اختلاف سياقات التطور واستحالة تحقيق الوهم الأوروبي بجعل حضارته كونية. وهذا لا يعني بأننا لا ينبغي أن نستفيد من الظروف العالمية المتاحة ولكن التطور الذي نسعى له لا بد أن ينبع من حاجاتنا الداخلية» ووفق
تاريخنا وعقيدتنا الإسلامية.
جدول بقرارات التنظيمات التي صدرت على مدى أربعين عاماً
التاريح A11 AL. T/A \AL. AL. AL YALo Ato AL ALY ALY oft 140°
Ao YA
\Aot
100/0
۸01/1۸ Ao.
(AYI-1۱۸A1۹)
الموضوع
خط شريف كالاذة.
إعادة تنظيم مجلس أحكام عدلية (المجلس الكبير). إصدار مجموعة قوانين جنائية .
إنشاء محكمة تجارية (تجارت مجلسي) في وزارة التجارة. القانون الخاص بال مجندين في الجيش.
مجمع نواب الولايات في المأاصمة.
إنشاء الجامعة ومماهد أخرى للتعليم الثانوي.
دشر مجموعة قوانين إدارية.
إنشاء محاکم مدئية وجنائية مختلطة .
إدشاء وزارة (نظارة) لامعارف العمومية.
فرمان لصالح غير المسلمين.
إصدار مجموعة قوانين تجارية.
تقسيم المجلس الكبير إلى مجالس خاصة بالإصلاح وآخر عال للقفاء .
إبطال الخراج على الرعايا وقرار تجنيدهم.
خط همایون .
صلح باریس .
التاريخ A07٦ A01 A0^ /۸ J^ AT A7A
ATLA A٦1
1۸11/0/1
A1۲ IAT /Y Jt AIT /Af 1° 1/1/1 A11 A14۱1 /۸ LNA AW /۲
A1۸ AA AIA E/E
A3۸
\AY. AV. T/1
الموضوع
تأسيس بنك عشمانی .
نشر مجموعة من القوانین إلخاصة بالأراضي .
نشر مجموعة من قوانين جنائية.
ملحق لمجموعة القوانين التجارية وهو ينظم محاكم التجارة التي آدمجحت في المحاكم المختلفة.
النظم الخاصة بال جماعة الكرجية الأرمنية وقد صودق عليها عام A1 .
دج المجلسان الماليان فأصبحا مجلسا واحدا له ثلائة أقسام '(إداري وتشريعي ومالي) .
نظم جديدة خاصة بلينان .
النظام الأساسي الحاص بالبطريركية العامة.
امتياز إنشاء البنك السلطاني الشماني.
مجموعة من القوانين الخاصة بالتجارة البحرية.
نظم خاصة بطائفة اليهود .
النظام الأساسي لبان .
قانون الولايات.
قانون يعطي الأجانب الحق في تلك العقار.
إنشاء مجلس للدولة (شوراي دولت) ومحكمة عليا (دیوان أحكام عدلية) .
افتتاح مدرسة (ليسية) غلظة سراي
قانون خاص بال جنسية العثمانية.
قانون باختصاص المحاكم النظامية.
تنقيح القانون المدني (مجلة أحكام عدلية) وقد صدرت الكتب الستةعشرالخاصة بهذاالقانون بين عامي AYIA .
فرمان بإنحاء أسقفية بلغارية.
القانون الخاص بإدارة الولايات.
YA
A1 قانون بإلغاء الأوقاف الدينية لم ينفذ قط).
A¥0 فرمان بإعادة تنظيم القضاء ونقل المحاكم التجارية إلى وزارة العدل .
. إصدار القانون الأساسي AV1
AV۹ /0/- النظام الأساسي لوزارة المدل والعبادات.
AYA 1/17 نظام المحاكم النظامية .
۷۹/1/1۷ قانون تطبيق الأحكام.
۹/1/۲۲ مجموعة القوانين الخاصة بالإجراءات المدنية.
۹
الفصل الثالث الوصاية الغربية على الأقليات الدينية
نظام الملل العثماني
لن نناقش هنا موقف الإسلام من أهل الذمة أو أهل الكتاب» فمبادئ الإسلام واضحة ومعبر عنها في كلام الله جل شأنهء وفي الأحاديث النبوية الشريفة وفي سلوك المسلمين الذي قننته المذاهب الإسلامية جميعها. لن نعود إلى اتفاقيتي الصحيفة مع اليهود ونجران مع المسيحيين اللتين أبرمهما الرسول الكريم تبه . وهو أمر فعله بعض المستشرقين من مثل لويه غارديه“"'. بل وبعض المسيحيين العرب مشل أنطون فتال'""". وذلك في محاولة منهما للبحث في مسألة الحريات التي تمتع بها أهل الذمة ضمن الدولة الإسلامية.
سنعالج هنا باختصار نظام الملل العثماني» هذا النظام الذي بني على سس إسلامية مستنبطة من المذهب الحنفي» وعليه فسوف نعود إلى عهد السلطان محمد الفاتح (١١٠٤٠-١۸٤۱م) الذي اعخبره المؤرخ الإنجليزي أرنولد توينبي المسؤول الأول عن بقاء شعوب دول أوروبة التي كانت خاضعة للسلطنة العشمانية على دياناتهم المسيحية واليهودية. فلو أنه فعل ما فعله الأسبان بالمسلمين واليهود بعد سقوط غرناطة لكانت اليونان والصرب ويوغسلافية وبلغارية ورومانية وجزيرة القرم وشرق النمسة وجنوب بولندة بلدانا إسلامية لا أثر فيها لأهل الكتاب. ولكن الحاكمين باسم الإسلام أبوا إلا أن يطبقوا شريعة الإسلام السمحة ويعترفوا بكل موحد بالله الواحد القهار ومناد بتعاليمه السماوية مهما كانت ديانته.
لم يبدأ تعامل السلطنة العثمانية مع المسيحيين واليهود بشكل متسع عملي
۸۱
إلا بعد فتح القسطنطينية. وما قرر بعد هذا الفتح سيكون نظاما كاملا يجري العمل فيه في سائر الولايات العشمانية في كل مراحل الدولة العشمانية. ونظرا لأهمية بده العمل بنظام الملل فسوف نعود إلى هذه الحادثة العاريخية لنسجل روايات أبرز المؤرخين عنها.
دخل السلطان محمد الفاتح القسطنطينية في ۲۹ آيار (مايو) ۵۳٤٠م فأصدر أوامره بمنع کل اعتداء يفسد الأمن حالا. ثم زار كنيسة أيا صوفيا وأمر بأن يؤذن فيها بالصلاة إعلاناً بجعلها مسجدا جامما للمسلمين. وبعد تام الفتح على هذه الصورة أعلن في كافة الجهات بأنه لا يعارض في إقامة شعائر ديانة المسيحيين وإعطائهم نصف الكنائس وجعل النصف الآخر جوامع للمسلمين» ثم جمع أئمة دينهم لينتخبوا بطريقاً (بطريرك) لهم فاختاروا جورج سكولاريوس. واعتمد السلطان هذا الانتخاب وجعله رئيسا لطائفة الروم واحتفل بتلبيته بنفس الأبهة والنظام الذي كان يعمل للبطارقة في أيام ملوك الروم المسيحيينء وأعطاه حرساً من عساكر الانكشاريةء ومتحه حق الحكم في القضايا المدنية والجنائية بكافة أنواعها المختصة بالأروام» وعين معه في ذلك مجلسا مشكلا من أكبر موظني الكنيسة, وأعطى هذا الحق في الولايات للمطارنة والقسوس. وفي مقابل هذه المنع فرض عليهم دفع الخراج مستشنيا من ذلك أثمة الدين فقي" '.
وهذه رواية مؤرخ عشماني» وهي صادقة ومتواضعة جدا. أما المؤرخ المسيحي ألبرت حوراني فيرى «أنه بعد سقوط القسطنطينية» فقد تمتعت الطوائف المسيحية واليهودية بالاعتراف بها رسمياء فقد أقرت السلطنة العشمانية للبطاركة والأرثوذكس والأرمن ولحاخام العاصمة الأعظم بأنهم ليسوا رؤساء طوائفهم الروحيين فحسب» بل رؤساؤها السياسيون أيضاء أما الطرائف الأخرى» كالأقباط في مصر والموارنة والنساطرة والسربان والأرثوذكس في لبنان وسورية والعراق» فكانت على اتصال قل بالحکام لإقامتها بعيداأ عن العاصمة. ومع ذلك فقد کان بطاركتها ينالون اعتراف السلطات بهم من وقت إلى آخر. وكان السلطان يقوم بتنصيب البطاركة والحاخاميين رسمياً. وكان هؤلاء يتعاملون مع حكومته في جميع الشؤون العائدة لأبناء طرائفهم.
AY
وكان للقرارات والأحكام الصادرة عنهم في نطاق الطانفة صفة القانون النافذ. وكانت تسري عليهم» في الأحوال الشخصية والدعاوي المدنيةء أحكام قانونهم الديني وعرفهم »"''. آما المستشرق الألماني بروكلمان فيضيف بالقول: «فقد تمتع النصارى؛ وكانوا يقسمون بحسب الجنسية والطائفة إلى ملل بالحرية المدنية والدينية الكاملةء ويخاصة إذا كانوا من اليونان (روم ملتي). والواقع أنه كان لبطريرك الروم في القسطنطينية من القوة والسلطان» في ظل العشمانيين. أكثر ما كان له في عهد بيزنطة نفسهاء وكانت مراسيم العمودية والزواج والدفن تقام علانية؛ وفي فخامة وأبهة في معظم الأحيان »""". ونظرا لتشابه شهادة المستشرق الإجليزي المتخصص بالدولة العشمانية ستانفورد شاو مع شهادة المستشرق الفرنسي أندريه ميكال فسوف نورد اختصارا رأي الأخير الذي يقول «باستئناء إعداد الأطفال إلى انكشارية فلم يتم في أي مكان من الامبراطورية إدخال أي شخص في الإسلام بالإكراه. أما تحول بعض المناطق فيي أوروبة إلى الإسلام فقد كانت مشلما حدث على امتداد تاريخ الإسلام نتيجة لعوامل اجتماعية بحتةء إما محاولة للانعماء إلى الطبقة الحاكمة أو كرد فعل انتقامي مشلما حدث في البوسنة ضد الاضطهادات الكاثوليكية. أو هروبامن ثقل جباية الكنيسة الأرثوذكسية» ولم يكن بوسع أي سلاح أن يثير حركة بنفس الاتساع الذي حدث عندما دخلت البوسنة في الإسلام في القرن الرابع عشر. واختصارا للقول فإن الامبراطورية العثمانية تبدو في أجمل أيامها في النصف الأول من القرن السادس عشر کملجاً للسلام الديني في مواجهة أوروية المضطهدين. فلا الطوائف المختلغة ولا الجماعات الإقليمية ستنتزع من جذورها بدليل النشاط والحيوية التي يارسونها إلى يومنا هذا ب" . يبقى أن نشير إلى أن السلطنة العثمانية كانت الملجأ الوحيد لليهود الهاربين من الطغيان والاضطهاد الأرروبي. وشغل اليهوه والنصارى بشكل عام مراكز اقتصادية وسياسية مهمة للغاية في السلطنة. وقد أشاد كل مؤرخي الدولة العثمانية حتى اليهود منهم با مركز الذي احتله الذمي في السلطنةء حيث كانت الدولة المشمانية
AY
لا تتدخل من حيث المبدأء في قضايا الدين» فقد انتهت في الواقع إلى أن تصبعح ملجاً للحرية الديئية بالنسبة لليهود المطرودين من أسبانية بعد أن صدر قرار ملكي في ٠ م يقضي بطرد اليهود الذين لم يتنصروا من أراضي قشتالة خلال أربعة أشهر من تاريخه وألا يعودوا إليها أبدا. ويتعرض المخالف للموت» ويقضي أيضا مصادرة آموالهم"". ولقد سرى الأمر نفسه على المسلمين الذين أكرهوا على الطره أو التنصير وارتكبت بحقهم المجازر المروعة. وكانت الامبراطورية العشمانية واستانبول عاصمتها ملجأ لليهود الهاربين من مذابح القياصرة» والقاد مين من النمسة وبولندةء حتی بلغ عدد سکان الحي اليهودي في استانبول عام ۱۵۹۰م نحوا من عشرين ألفاً».
ونختتم باستشهاد أخير لأندريه ميكال يقول فيه «لقد قدمت الامبراطورية لكل هؤلاء كيان الوطن ضمنا. أي أنها قدمت لهم كفالة الأمة المنظمة والحماية اللازمة تحت سيطرتها الخاصةء وبذلك أصبح كل يهود الامبراطورية خاضعين للحاخام باشي ا لمقيم في استانبول ويعتبر شخصية رسمية في الدولة. أما الطائفة الأرثوذكسية فكان وضعها أكثر اعتبار لأنها كانت خاضعة للبطريرك اليوناني للقسطنطينيةء أما الطائفة الأرسنية فلم تكن أقل مكانة إذ أن بطريركها كان له نفوذ على الكاثوليك والنسطوريين واليعقوبيين» وبشكل عام» كان له نفوذ على جميع الطوائف المسيحية غير الأرثوذكسية. إن الوقائع تدلنا على أن النظام كان سادا في كل مكان تقريباً. مما ساعد على تنشيط الحجارة وأحرز اليونانيون تقدما أكثر من السلافيين وسط الأمة الأرثوذكسية» وحصلوا لأنفسهم على مواقع ثابتة في بنيان الامبراطوريةء وذلك مشل الأرمن واليهود في الأعمال التجارية أو الأقباط في الحياة الاقتصادية والإدارية في مصر""'. وسوف نعود لتحليل هذه الأوضاع أثناء استطرادنا لنجيب على السؤال المركزي: ماذ! تحالف أهل الذمة في السلطنة مع الأعداء الخارجيين الطامعين بها ؟
لقد اتفقء كما اسلفناء كل المختصين في التاريخ العشماني من مستشرقين وعرب وعشمانيين على تقويم أوضاع أهل الذمة» وعلى الاعتراف بها كان لنظام الملل العشماني» الذي بدأ عمليا مع فتح القسطنطينيةء من آثار إيجابية على أهل الكتاب
AL
واندما م كليا في جسم الأمة العشمانية مع الاحتفاظ بكياناتهم الدينية وقوانينهم الخاصة. حيث منح نظام الملل لأهل الكتاب حقوقا مدنية ودينية وجعل لهم سلطنة سياسية لم يكونوا يتمتحون بها قبل الفتح وفي ظل الدولة البيزنطية نفسهاء ولقد اعترف بذلك كل المستشرقين على اختلاف مشاريهم.
يبقى أن نشير إلى أن أوضاع الملل الاقتصادية لم تكن بأقل جودة من أوضاعهم الأخرى إنها أفضل ما كانت عليه سابقاء فبينما « كان بعض المسيحيين واليهود يقيمون في ا مدن ويختصون فيها ببعض التجارات وال حرف والمهن. كان بعضهم يحتل بالفعل مراكز نافذةء ويلعب دوراً جوهريا في حياة الدرلة» كصرافي القسطنطينية الأرمن. وصرافي بغداد اليهود. وعائلات الفنار اليونانية التي كانت تقوم بأعمال الترجمة في المفاوضات الأجنبية» أو تحكم ولايات رومانية»""". وهكذا نرى بأنه ولأرل مرة في التاريخ تسمح سلطنة دينية إسلامية أن يحكم المسيحيون أنفسهم -كما أسلفنا- في إمارات الفاش والبغدان» وعلكة ترانسلفانية وجمهورية دوبرونديك. وكل هذه الولايات والإمارات كانت تابعة للسلطنة وتعد من ديار الإسلام ومع ذلك فروح السماحة العظمى للاإسلام جملت من نظام الملل مثالا فريدا لنظام تعددي تعجز الأنظمة العلمانية اليوم القائمة على ما يسمونه بالديقراطية الدستورية أن تلحق به. فتعامل السلطان مع رعاياه كان «ينبع من طبيعة نظام الملل العشماني الذي قسم سكان السلطنة إلى مسلمين يدفعون الزكاة والخمس والعشر وغيرهماء ورعايا من غير المسلمين يقدمون الخضوع للسلطان ويدفعون الغراج والجريةء""".
تلك كانت أوضاع أهل الذمة في إطار نظام الملل العشماني» حيث استمرت هذه الأوضاع قائمة إلى أن حدث ما يعكرها بفعل عوامل خارجية أتاحتها السلطنة؛ حين بدأت لأول مرة تغير قاعدتها في التعامل مع الخارج الأوروبي» وذلك عندما منحت كل من البندقية وجنوة امتيازات تجارية عام ۵۳٤٠م. وكان التبرير حينذاك قائم على أساس أن الامتيازات من شأنها أن تساهم في نمو التجارة الأمر الذي سيزيد من دخل الباب العالي من الضرائب. ولكن الأمر لم يقتصر على ذلك. ففي حين نشطت أوروبة تجارتها في البحار الشرقية» تباطأت بل ضمرت التجارة العشمانية في تلك البحار مع
Ao
الوقت» وذلك بفعل اعتمادها على التجار الأوروبيين. وغا زاد الطين بلة إقدام السلطنة على توقيع معاهدة الامتيازات الأجنبية بينها وبين فرنسة عام ١۱۵۴م وهي المعاهدة التي اعحبرها المؤرخون بداية الهيمنة الأوروبية على السلطة.
بداية الوصاية
التسهيلات البحرية والتجارية التي كانت تنحها الامبراطورية العشمانية لكل من جنوة والبندقية. وهي تقليد بيزنطي قديم في العلاقات» تطورت واتسعت في ميأدينها عام ١۴١٠م وذلك بعد توقيع معاهدة الامتيازات الأجنبية بين فرنسة والامبراطررية العشمانية. لقد حققت هذه المعاهدة امتيازات مهمة للأجانب في المجالات القانونية والاقتصادية. ولكنها لم تنص في بنودها على امتيازات دينية تذكر؛ سوى أن بندها السادس كرر مبدأً معمولا به أصلا داخل السلطنة وهو السماح للعجار الفرنسيين باتباع شعائرهم الدينية وعدم إجبارهم على الدخول في الدين الإسلامي. غير أن الأمور لن تسير طويلا وفق هذا البند» فالأوروبيون ومع كل امتياز تجاري جدید یحصلون عليه کانوا يطالبون بامتياز ديني مواز له ويبدو أن السلاطين لم يكونوا على وعي بخطورة تنازلاتهم هذه. ترجع أولى بدايات الوصاية الغربية على الأقليات الدينية إلى عهد السلطان سليمان القانوني› وبالتحديد إلى معاهدة عام ۳١١٠م التي وقعها مع هنري الشاني ابن ملك فرنسة فرانسوا الأول بخصوص الحرب البحرية» حيث نصت المعاهدة على بند يسمح فيه السلطان لسغير فرنسة المسيو جبريل درامون بزيارة بيت المقدس» ومقابلة الرهبان» وجعل الكاثوليك المستوطنين بأراضي الدولة العشمانية تحت حماية فرتسة |١ وتوالت بعد ذلك التنازلات السلطانية في هذا الميدان الخطرء وني عام ٤٠١٠م أضيفت للاتفاقيات بين السلطنة وفرنسة بنود خاصة بالمرسلين الأجانب والعمل التبشيري'“"'. وذلك في عهد السلطان أحمد خان الأول ٤( ١٠١١-1۷١١١م). وهكذا حصل العمل التبشيري» وللمرة الأرلى؛ على ترخيص رسمي للعمل داخل الامبراطوريةء ولن تتأخر الكنيسة باستغلال هذا الترخيص. ولقد أرسلت فرنسة تحت
A٦
ظل هذه المعاهدات عدة إرساليات دينية كاثوليكية إلى كافة بلاد الدولة الموجود بها مسيحيون خصوصا في بلاد الشام لتعليم أولادهم وتربيتهم على محبة فرنسة""". وأصبحت من عادة الدول الأوروبية استغلال الأحداث التي تلم بالسلطنة لتحرير شروط خاصة بالحماية على المسيحيين. فبعد أن خسرت الجيوش العشمانية أمام الجيش النمسوي وفرضت معاهدة کارلوفتس في ١۲كانون الثاني (ينایر) ۱1۹۹م» اشترطت النمسة إضافة بند للمعاهدة وهو البند الثالث عشر الذي ينص على السماح للنمسة بحراسة الأماكن المقدسة في القدس وغيرها.
ولكي نتبين مدى خطورة الوصاية الغريية على المسيحيين العثمانيين لا بد أول وقبل كل شيء أن نتعرف على المنافع التي سينالها المسيحي العثماني من تعامله مع الأوروبيين. فوفقا لمقتضيات نظام الامتيازات فإن القنصليات الأجنبية تمتلك صلاحيات قانونية ومحاكم خاصة على أعلى المستويات. وهو آمر يتيح للمسيحي المتعامل معها امتيازات حماية» وضمانة أعمال تجارية مريحة» واعفاء من الضرائب وامكانيات التعليم له ولأسرته في مدارس الإرساليات والسفر المجاني إلى أوروبة. ولنا أن نقراً مرسوما صادرا عن لويس الرابع عشر يقضي بوضع الطائفة المارونية تحت الحماية الفرنسية صادراً في نيسان (إبريل) .11٤١ لكي نتعرف عن قرب على مدى الدور الخطير الذي سمح لغرنسة بلعبه في المشرق الإسلامي» يقول نص الوثيقة:
« نحن لويس بنعمة الله» ملك فرنسة ونافار.. تحية إلى كل من تقدم إليه هذه: ليكن معلوماً أننا بتوجيه من الملكة الوصيةء سيدتنا وأمنا ذات الشرف الرفيع» قد أخذنا ووضعنا تحت حمابتنا ورعايتنا الخاصة» بمقتضى توقيعنا بيمينناء صاحب النيافة البطريرك وكل الأكليروس والموارنة المسيحيين من رجال دين أو علمانيين الذين يقطنون جبل لبان خاصة. وإننا لنرغب في أن يدركوا هم ذلك. ولهذا الغرض أمرنا السيد لاهاي دي بنتيته -المستشار في مجالسنا وسفيرنا في الليفانت (الشرق) - وکل من يخلفه في منصبه أن يبدوا كل اهتمام بهؤلاء سالفي الذكر فرادی كانوا أم جماعات. بالعناية بهم والرعاية لهم والمطف عليهم وبالتوسط من أجلهم وبحمايتهم سواء أمام الباب العالي لعزيزنا السلطان صديقنا الوفي. أو آمام أي جهة أخرى تتطلب
AY
ذلك حتى لا يتعرضون لأية معاملة سيئة» بل العكس سيتابعون شعائرهم ومسؤولياتهم الدينية.
ومنذ الآن وفي المستقبل نوصي قناصل ووكلاء قناصل (الأمة الفرنسية) في موانئ الليفانت وغيرهم من يرفع العلم الفرنسي أن يبدرا اهتمامهم بأقصى ما لديهم من قوة نحو نيافة البطريرك المشار إليه ونحو أولئك الموارنة المسيحيين في جبل لبنان سالف الذكرء وأن يساعدوا في تسقفير الشباب وكل ماروني مسيحي قد يرغب في الرحيل إلى بلد مسيحي» سواء أكان ذلك من أجل الدراسة أو لأي عمل آخر؛ وذلك دون أخذ أو تقاضي أي رسوم غير تلك التي يستطيعون دفعهاء ومعاملتهم بنتهى الرقة والكرم. إننا نطلب ونريد من أصحاب السعادة والفخامة الباشوات ومن موظفي عظمته (يقصد السلطان) أن يبدوا اهتمامهم وأن يساعدوا صاحب النيافة رئيس أساقفة طرابلس وكل الأكليروس والموارنة المسيحيين» متعهدين من جانبنا بأن نقوم با مل نحو کل من توصون به»""''.
فإذا كان لويس الرابع عشر قد اعتبر نفسه»ء بإذن من السلطانء مسؤولا عن رعاية المسيحيين الكاثوليك في البداية» فقد تطورت هذه الامتيازات مع الوقت مع ضعف السلطنة العثمانيةء لتصبح حقوقا مكتسبة للفرنسيين خصوصا وللأوروبيين الذين دخلوا فيما بعد كأطراف في هذه اللعبة بشكل عام حتى بات السلطان لا يحكم عملياً في سلطنته غير المسلمين. فالحماية قد نالت كل المؤسسات الدينية والتعليمية والاقتصادية المسيحية فيي السلطنةء وكذلك المتعاونين مع القنصليات حتى لو كانوا مسلمين » وتم احتكار التجارة الداخلية والخارجية على حساب مصالح التجار الوطنيين» وأصبعح للسلع الأوروبية سيادة على السلع الوطنية وتراجع نظام الحرف والصناعات العقليدية أمام غزو السلع الأجنبية. وازدهرت أحرال المتعاونين مع القنصليات حتى صح قول هنري غيز لوصف هذه الحالة «إن افتقار الناس إلى ظهير ونصير في هذه البلاد قد حملهم على السعي الحثيث وراء نيل الحمايات الأوروبيةء وهكذا فإن أجمل حلم يكن أن يتصوره عربي هو الاحتماء في ظل أحد القناصل »""'.
ولنا أن نستدرك ونحن نسوق الأمثلة تلو الأخرى» بأنه ينبغي لنا -حتى لا نغفل أثر عامل على حساب آخر- الإلمام ا آل إليه وضع الملل في السلطنة. والاعتراف بأن هذا الوضع لم يتشكل فقط بسبب قوة العامل الخارجي أو قدرة المسيحية الأوروبية على استقطاب المسيحيين العشمانيين لخدمة مصالحها من خلال تحقيق مصالحهم الآنية والمادية فقط؛ وإنما أيضا بسبب مواقف السلاطين وسماحتهم وفرماناتهم المخناقضة حول مصير المسيحيين الشرقيين» وهم الأكثر ولاء للسلطنة بوجه عام» دون الإقلال من أهمية التحولات الدولية الاقتصادية وانعكاساتها على السلطنة. وعوامل أخرى لا سبيل لذكرها. كل هذا ساهم في نجاح الاختراق الأوروبي للساحة الإسلامية.
نتائج الوصاية
أتاحت الامتيازات الأجنبية سبل اختراق أوروبي للبنية العشمانية. وذلك بتحويلها نظام الملل العشماني من نظام مثالي للتعددية والحريات الدينية والسياسيةء في عصر عرف بحدة الصراعات والاضطهادات الدينية» إلى نظام ساهم بعل تسامحه وخصوصيته إلى تسهيل ربط هذه الملل بالدول الأوروبية. فقد تحول ولاء أعداد كبيرة من المسيحيين العشمانيين إلى أوروبة نتيجة المنافع التي كانوا يتمتعون بها عن طريق القنصليات الأوروبية والارتباطات الكنسية» ومع الوقت فَقَدّ هؤلاء هويتهم العشمانية ليلتحقوا بالهوية الأوروبية التي يؤكدها قانون الوصاية ونظام الامتيازات الأجنبية.
إن الامتياز الذي منح لفرنسة قد اتسع ليشمل دولا أوروبية أخرى مشل النمسةوألانية وروسية» كلل هذه الدول اعت حقوقا لها فيي حماية المسيحيين الشرقيينء فقد ارتبطت مصالح المسيحيين الكاثوليك بغرنسة والنمسة» ومصالح الروم الأرثوذكس بروسية القيصرية""'.
ولم يقتصر الأمر على المسيحيين» بل تعداه مع الوقت ليشمل بتأثيراته السلبية أمراء مسلمين محليين لهم وزن سياسي عال بالنسبة للامبراطوريةء وذلك
A۹
عندما هيأت لهم الدول الأوروبية كل سبل التناقض مع السلطنة. ومنحتهم كل ما يحتاجونه من تحديث مؤسساتهم إلى دعمهم العسكري والتقني لكي يقوموا با أطلقوا عليه الحركات الاستقلالية في عهد الدولة العشمانية. ولنا في أمثلة بايات تونس ومحمد علي الكبير في مصرء وفخر الدين المعني الثاني في لبنان صور من الدعم الأوروبي غير المحدود لهذه الحركات. مع ملاحظة أنه من الظلم أن تؤخذ التجارب الغلاث السالفة على محمل واحد» لأننا لا نقومها بحد ذاتهاء بل نشير إلى الاستغلال الأورويي لهذه التجارب الثلاث. فمن الدفع لتشجيع هؤلاء على الاستقلال عن الدولة العثمانية. إلى محاربتهم دون هوادة حين تتمارض المصالح» مثلما حدث عندما حاريت الدول الأوروبية محمد علي واحتلت فرنسة تونس بحجة الديون المتراكمة» وتم التخلي عن فخر الدين المعني الشاني. ولكي تحن التأثيرات السلبية للتدخلات الأوروبية على الأمراء المحليين سنأخذ مثالا واحدأ معبرا منهاء وهو مثال فخر الدين المعني الثاني» على أننا كنا قد تناولنا في فصل سابق قصة محمد علي وباي تونس.
من نافلة القول أن سورية الكبرى كانت مركز نشاط أساسي للمدارس الأجنبية والإرساليات والتبشير؛ وتأثير القنصليات الأجنبيةء ولقد كان لبنان - وما زال- ضحية لمشل هذه التأثيرات. وتجربة فخر الدين ا معني وولايته في لبنان خير مغال لنا على ذلك وهي مرحلة سبقت إعلان مرسوم لويس السادس عشر الخاص بحماية المسيحيين الكاثوليك والموارنة. الذي سبق وأشرنا إليه واتسمت بتقديم صورة مشوهة لطموحات أمير مسلم» ولنمط تحالفاته ا مريبة مع أعداء الامبراطورية لتحقيق مكاسب
تسلم الأمير فخر الدين إدارة الشوف عام ٠۵۹٠م» واستطاع أن يخضع لإدارته كل الأراضي الواقعة بين نهر الكلب وجبل الكرمل» مضيفا إلى أملاكه شمالي فلسطين ومدينتي صيدا وبيروت الساحليتين. وفي عام ۸٠۱۹م عقد فخر الدين معاهدة تجارية مع دوق توسكانا فردينان الأرل» يعتقد الباحشون أنها كانت تحوي بنودأ سرية عسكربة وسياسية موجهة ضد السلطنة العشمانية. وفي صيف ۳١١٠م خرج أحمد حافظ باشا والي دمشق بأمر من السلطان في حملة ضده» وفي ۱۳/۹/۱۳١١١م
ترك فخر الدين لبنان""'.
«قضى الأمير فخر الدين في إيطالية قرابة ال ۵ سنوات» حيث أثار ظهوره. كأمير للقبيلة الدرزية غير المعروفة حتى ذلك الوقت فضول أوروبة. وقد خصه بلاط فلورنسة دوما باستقبال رائع» و انتشرت في الغرب إشاعة تزعم أن الدروز هم أحفاد الصليبيين حتى أنهم نسبوا اسم الدروز إلى الكونت ×د0ء0, ويبدو أن فخر الدين تفسه طرب لهذه التنغيمة التي جعلت منه موضع اهتمام كبير في الغرب»""". ولقد عمل أمير توسكانة جاهدا في توسطه لدى الباب العالي للعفو عن فخر الدين المعني» حتى صدر هذا العفو الذي أرسله أول الأمر نصوح باشا الصدر الأعظم إلى أمير توسكانة الجران دوق قزما الثاني في ١ حزيران (يونيو) ١١١١م لكن ال معني أدرك بأن عردته قد تؤدي إلى ذهابه حبل المشنقةء لذلك عاود أصحابه الكرة للتوسط من جديد لكي يعود لحكم ولايته السابقة نفسها فتلقى عام ۸١١٠م سماحا بالرجوع إلى لبنان واستمر في ولایته حتی عام ۱۹۳۵م. تصور لنا الكتابات الاستشراقية والعربية الأمير المعني بطلا لبنانياً وقوميا وعرييا وقائدا لحركة الاستقلال العربي ضد السلطنة العشمانية* ٠ ولكنهم ينسون بأن الوثائن التاريخية تشير إلى خيانته لوطنه ولدينهء فتحالفه مع توسكانة والبابوية ضد السلطنة العشمانية يكشف عن استمداده للتحول إلى المسيحية وضمان تنصير سكان إمارته وتسليمه بيت المقدس للبابوية.
لقد كانت «البابوية معنية جد بخطة فرديناند الأول (جران دوق توسكانة) بشأن التحالف مع نخر الدين المعني الثاني وتأليب القوى الأوروبية والشرقية ضد الدولة العشمانية لعل بذلك يفخح الطريق أمام البابوية إلى بيت المقدس» ولهذا بعث
* المراجع العربية التي أدركت خيانة الأمير ا معني نادرة جدا رغم توفر الوثائق بذلك. من بين هذه المراجع تشير إلى مقالة للدكتور وجيه كوثراني عن العصر العشماني في مجلة «الثقافة الإسلامية» العدد ١⁄/١۹۸١۱م. تطرق بها إلى عدم أستحقاقه لألقاب الوطنية والقرمية والاستقلالية دون أن يذهب لأبعد من ذلك. ونذكر هنا أيضا د. عبد العزيز الشناوي في كتابه القيم «الدرلة العشمانية ». حيث ذكر بان المعني « سمح لأعضاء البعثات التنصيرية بمباشرة تشاطهم لتحويل المسلمين إلى المسيحية وهو أرل أمير يفتح بلاده للتنصير والنفرذ الأجتبي».
. ۱۰٥ص
۹۱
البابا بولس الخامس برسالة بتاريخ ١٠كانون الثاني (يناير) ١۹٠٠م وصف فيها فخر الدين ا معني بأنه أمير الدروز ونيقوميدية وفلسطين وفينيقية» تبعاً للمغاهيم القدية والكنسية للتوزيع الإداري للمنطقة. وتتضمن الرسالة نوعا من الدعوة الموجهة إلى فخر الدين للتحول إلى المسيحية»"""'. ولم يض طويل وقت حتى بدأت المراسلات الرسمية بين فخر الدين المعني والبابا عن طريق المطران جرجس بن مأرون رئيس أساقفة نيقوسية بقبرص والذي كان عراب هذا الحلف غير المقدس» ونستطيع قراءة بنوده من خلال الحقرير الذي رفعه المطران إلى البابا من أجل الاستيلاء على قبرص وبيت ا لمقدس» ونذكر النقاط المركزية من هذا التقربر الذي يبدأ بتوجيه التحية إلى «الأب الأقدس» فيذكر «أن سعادة أمير صيدا (يقصد فخر الدين المعني) قد حمله حبه الشديد للديانة المسيحية وبغضه المغروس ضد الشريعة المحمدية على الرغبة في أن يححد مع قداستكم وغراندوق توسكانة برباط غير منحل وباتفاق وسلم دائمين» ولأجل هذا السبب يعد بالشروط المحررة أدناه:
-١ أن يد الجيش المسيحي بالرجال والمؤن كل مرة ترسل قداستكم وسمو غراندوق توسكانة عسكرأ لأخذ قبرص والقدس.
۴ أن يعطي العسكر المسيحي ميناء واحدة أو أكثر لكي يكنه أن يلجأ إليها وقت الحرب.
۳- يعد أن يلكهم مدينة القدس ويد لهم دائما يد العون والمساعدة وقت مباشرة التعاهد والسلم.
-٤ يعد أن يسمح لجميع مرؤوسيه أن يعتنقوا الإيان الكاثوليكي وهو يكون أول من ينادي به مسيحيا ويجعل عائلته أن تتعمد.
-١ لأجل هذه الغاية قد شاد عدة كنائس للمسيحيين ورمم كنائس أخرى على نفقته» وقد أمر بطريرك المارونية الأنطاكي وسائر الأساقفة والرؤساء أن يعملوا نفس عمله.
-١ يعد أيضا أن برى الرعاية الكنائسية في كل ملكته ويعفي جميع الإكليريكيين والكنائس وأملاكها من كل الرسومات الجمركية رالبرية وغيرها من
۹۲
الرسومات والضرائب المعتاد وضعها على أي كان من العلمانيين.
۷- يعد أن لا يقبل عهدا أو مماهدة أو عقدا معروضا عليه من السلطان أو من وزرائه قبل أن يعلم بذلك قداستکم وسموه ویسیر بمقتضی حکمکم.
۸- يعد أن يعطي رهنا لقداستكم ولسعادته بحسب رغبتكم لأجل المحافظة على الأمور المذكورة أعلاه.
۹- يعد أن يجعل باقي أمراء العرب أن يبرموا عهدا مع الجيش المسيحي وهذا سهل عليهم بسبب القرابة والزواج المعقود ما بينهم والربح العظيم الذي يحصلون عليه من الاتحاد المار ذكره.
بعكس ذلك فإن أمير صيدا يرغب من قداستكم البنود المسطرة أدناه:
-١ أن تأخذ قداستكم وغراندوق توسكانة عمارة بحرية مؤلفة على القليل من خمسين بارجة جزيرة قبرص.
۲- أن تتکرم قداستکم وسموه بإرسال مهندسین ورجال خبیرین في فن الحروب وإنشاء المعامل.
۴- بأن تعطوه مدافع وبارودا وقنابل لمقاومة العدو.
-٤ أن تعد قداستكم وسموه لدى نشوب المرب أن تعضدوا بحرأ سعادة الأمير المذكور» كما أن سعادة الأمير نفسه يعد ويوجب على نفسه أن يد الجيش المسيحي برا وبحرا بجميع المساعدات النافعة والضرورية... فأي مجد عظيم يكن أن تحصل عليه قداستكم في حبريتكم من أن سعادة أمير صيدا بعلن نفسه مسيحيا وشعوبه يتسابقون إلى اعتناق الإيان الكاثرليكي وينصب علم الصليب المقدس في تلك الأصقاع حيث كان محتقرا ومداساً من العدوي""'.
ولقد وصلت أخبار هذه المراسلات السرية إلى السلطان مراد الرابع )۴ .116م( الذي قرر إنهاء حكم فخر الدين فأرسل جيشا على رأسه الصدر الأعظم خليل باشاء كما حاصر قبودان باشا جعفر بأسطوله المرانئ» وانتقل حكام الأقاليم إلى صفوف الجيش العشماني» فشعر فخر الدين بقرب نهايته فاتصل بالبابوية وتوسكانة لینصروه ولکن دون جدوى فهم يدركون جيدا قوة الجيوش العشمانية.
۹۲
فاختفى إلى أن وقع في الأسر فأعدم في الآستانة عام ١۴١٠م.
انتهى المعني ولكن لم تنته الوصاية الغربية على الأقليات» كما لم تنته تناقضات السياسة العشمانية إزاء الملل وإزاء الامتيازات الأجنبية» وتداخلت الأوراق مع بعضا لتتحول عوامل هدم للبنية الاجتماعية والسياسية والاقتصادية للمجتمع العثماني أينما وجد تمركز ديني غير إسلامي» بل إن التجار المسيحيين واليهود قد مارسرا ضغوطا مباشرة على السلطنة وبتعاون مع الدرل الأوروبية !
نظام الملل في خدمة الأعداء
بعد أن عرضنا باختصار أوضاع أهل الذمة في الامبراطورية العشمانية وبينًا علاقاتهم بالقنصليات الأجنبيةء وما وفر لهم نظام الملل العشماني من ضمانات وامتيازات هيأت لهم مع الوقت سبل الانقطاع عن الأمة والتحالف مع الخارج» نحاول في السطور التالية أن جيب على سؤال مشروع هو: كيف نفسر تحول الملل العشمانية من الولاء للامبراطورية التي يعيشون برحابها عيشأ كريا محتفظين بحقوقهم الكاملةء يمارسون دياناتهم بحرية. إلى الولاء لإعدائها الطامعين بها ؟
ما الدوافع التي مهدت لهذا التحول. هل هي الطبيعة المصلحية أم قوة أوروبة المسيحية وضعف الامبراطورية الإسلامية. أم هذا وذاك مضافا له أخطاء السلاطين وصراعاتهم المسلحة مع الولاة والمماليك؛ إن تلك الأسباب لا تقل أهمية عن التدخلات الأجئبية وقوة الاختراق الأجنبي للطوائف. سنحاول جاهدين أن نسلط بعض الضوء على هذه الأسباب. وبداية سنعرض لبعض الآراء التي من شأنها الكشف عن تشعبات هذه الإشكالية وتطوراتهاء وكيف ومتى تفاقمت لتحول نظام الملل من نمرذج يحتذى به للتعددية إلى معول هدم للبنية الديغرافية والاجتماعية والاقتصادية للامبراطورية العفمانية.
يقول المستشرق الغرنسي أندريه ميكال كاشفا بعض أسباب التحول: «إن الامتيازات الأجنبية ثم التدخلات العسكرية الأجنبيةء وأحيانا النشاط المكثف للإرساليات الدينية راحت تربط الطوائف المسيحية أو بعضها اقتصاديا وثقافيا
٤
بالغرب»"". ونما لا شك فيه أن الحريات الدينية التي كفلها النظام العشماني منذ محمد الفاتح وحتى القرن السابع عشر قد سمحت للغرب بإرسال حملات تبشيرية وفتح مدارس مسيحية داخل السلطنة والعمل في وسط الطوائف وخاصة في سورية «فقد ركز الآبا ء الكبوشيين الفرنسيين في طرابلس عام ۹۲۹٠م وقلكرا بعض البيوت منذ عام ٠0١م ثم توسعوا نحو عينطورة وغيرهاء وكان «آباء الأرض المقدسة» ينون لأنفسهم أديرة في القدس وسائر أرجاء فلسطين» ويعتقد بأن مجيء الجيزويت لأول مرة إلى المنطقة كان عام ١۵۸٠م وقد شهدت هذه الفترة قدوم الآبا ء الكرمليين والآبا ء اللاتين وغيرهم» ويؤكد تقرير القنصل الفرنسي في صيدا بتاريخ آب (أغسطس) ۰۲م أنه زار مركز البطريركية المارونية في قنوبين وصلى في كنيستها فوجد صورة الملك (الفرنسي) على يمين الكنيسة» وتوجه البطريرك الماروني بالصلاة الحارة من أجل حماية الملك والدعاء له بطول العمر» "". وبالطبع فإن التحولات التي حدثت في أوساط الطوائف المسيحية والكاثوليكية بشكل خاص» وما وفرت لها صلاتها بغرنسة والتي تكللت بسماح السلطان المثماني للك فرنسة لويس الرابع عشر بإعلان حمايته للطائفة المارونية عام ١٤1٠م هو الذي جعل هذه الطائفة العشمانية ترفع صورة الملك بدل السلطان وتدعو له بالعمر المديد.
يحدد المؤرخ التركي بيرم كودمان بداية تفاقم هذه المشكلة من القرن السادس عشرء ويربطها بإقرار الامتيازات التي ما أن أخذت صيغة الثبات والديومة عام ٠م حتى أصبح الوجود الفرنسي في السلطة أمرا واقعا فتطور بشكل متسع وسريع بعد أن أضيفت له التزامات سياسية وثقافية واقتصادية حصلت عليها فرنسة بواسطة الاتفاقات التجارية لعام ۱۸۳۸م راتفاقية باريس عام ١۱۸۵م واتفاقية برلین عام ۱۸۷۸م. وعبر عنها فرمان عام ۱۸۳۹م وقرار إصلاحات عام ١۱۸۵ءم. في هذا النظام المركب من الامتيازات والالتزامات والاتفاقيات» حدث الترابط والتكامل ما بین مصالع غير المسلمين العشمانيين ومصالح فرنسة""". هنا وعند هذا الحد بدأ التحول في بنية العلاقة العشمانية بدول أوروبة. فقد كنت القنصليات الأجنبية في الامبراطورية العشمانية من تحويل نظام الحماية الدينية إلى شبكة من المصالح والحماية
۹۵
الاقتصادية والسياسية والشقافية للطرائف المسيحيةء فكانت القنصليات بأمر وتشجيع من حكوماتها تنح البرات لموظفيها والعقود لتراجمتها المحليين وعائلاتهم بحيث يمكن أن ينعم هؤلاء بالرعوية الفرنسية أو النمسوية أو السويدية أو غيرها.
لم تقتصر الوصاية على فئة أو طائفة دون غيرها بل شملت كل المسيحيين في البلاد بحجج عديدة من بينها الاتجار مع البلاد الأوروبية أو العمل لدى قنصلياتها أو الترجمة لها. حتى أن باشا حلب» شكا إلى الباب العالي ني عام ۷۹۲٠م من أن عده تراجمة القناصل في حلب زاد حتى بلغ حوالي ألف وخمسمائة» وكلهم معفون من الضرائب ويعملون في التجارة. وكأن لهم الحق في المزايا التي تعنحها الامتيازات الأجنبية للتجار الأوروبيين. وبخاصة ا لخفض النسبي للرسوم المفروضة على وارداتهم وصادراتهم ""'. إزاء وضع كهذا كانت خيارات أغلب أفراد الطوائف غير الإسلامية مرتبطة بالمصالع الأجنبية لأنها في الواقع منتفعة بها. ولكن هذه الأسباب لم تكن الوحيدة التي دفعت هؤزلاء الرعايا إلى تحويل ولاتهم إلى خارج الامبراطورية. فهناك عوامل أخرى غير تلك التي تم ذكرها في مواضع سابقة عن أوضاع الامبراطورية العسكرية والاقتصادية وخاصة بعد اكتشاف أميركة وسيطرة أوروية على تجارة البحار الشرقية. منها مجموعة من العوامل الداخلية المساعدة التي مهدت لهدم البنية الاجتماعية المشمانية تلخصها بالتالي: أولأً: يرى بعض الدارسين « أن نظام الملل العثماني ومواد التنظيمات قد أسهمت ني الوقت نفسه في ازدياد التكتل الطائفي عندما منحت رجال الدين صلاحيات كثيرة مكنتهم من صيانة مفاهيمهم الطائفية فسهلت بذلك مهمة الاختراق الغربي للمجتمع العشماني»""'. ثانيا: ارتباك السياسة العشمانية إزاء الطوائف غير الإسلاميةء ناهيك عن صراعات هذه الأخيرة فيما بينها بعد أن أصبحت كل طائغة مرتبطة بدولة أوروبية. ما جعل الباب العالي ينشغل بعملية الفصل بين الخلافات «التي تنشاً بين الطوائف والمنازعات التي تقوم بين الروم الكاثوليك والتابعين للكنائس الشرقية «متحدين» وبين البطريركية» وقد سنحت الفرصة لتدخل الدول الأوروبية في هذا الشأنء فتدخلت
A٦
روسية بصفة خاصة في مسألة أولوية الكنيسة الكرجية الأرمنية في تركية» وفي مسألة طائفة البلغار الأرثوذكس»""' .
وعلى صعيد آخر وفي سورية كانت الصراعات هي الأخرى على أشدهاء فبعد أن تكففت النشاطات الكاثوليكية وأرسلت فرنسة مجموعات كبيرة من المبشرين والمرسلين الكاثوليك. جح هؤلاء في تحويل عدد لا بأس به من الروم الأرثوذكس إلى الكاثوليكيةء فنبه الروم الأرثوذكس السلطات العشمانية بأن من يدخل في الكاثرليكية يصبح من دين الإفرنج الذين هم أشد عداوة للإسلام» لذلك رفعوا قضيتهم إلى شيخ الإسلام «المفتي» وطالبوا بعدم معاملة من هو على مذهب الإفرنج وتابع لهم معاملة أهل الذمة. لكن المغتي أصدر في عام ۳١۷٣م أي على عهد السلطان مصطفى الثالث (۷١۷٠-١۷۷٠م) فتوى عشمانية بعدم التعرض لمن يدخل من الروم في المذهب الكاثوليكي. وأن «انتقال المسيحي من مذهب إلى آخر لا يغير من وضعه كأحد أفراد أهل الذمة ما دام مسيحيا ولم يخرج من طاعة السلطان المشماني»""'. لم تكن هذه الفتوى حكيمة لأنها لم تأخذ بالاعتبار شكوى الأرثوذكس فخسرتهم» ويدأوا البحث لهم عن حليف خارجي يساندهم في صراعهم مع الكاثوليك. فوجدوا روسية القيصرية. إذا خسر العشمانيون الأرثوذكس ولم يربحوا الكاثوليك لأن هؤلاء ارتبطوا أصلا بأوروية وبفرنسة بشكل خاص. ولكن الأمر لم ينته» فقد اشتدت الضغوط الداخلية والخارجية على السلطنة. ومارست فرنسة حماية المسيحيين الكاثوليك في المشرق العربي. وأشاع المبشرون الأوروبيون جوا عام لدى مسيحيي الشرق يقول بأن أوروبة المسيحية أقوى من الدولة العثمانية الإسلامية وسوف تسقط الدولة العشمانية بيد الأوروبيين قريب وخاصة بعد الحملة الفرنسية على مصر والتي اعتبرها المسلمون حملة صليبية جديدة ما زاد في نقمتهم على النصارى وامتيازاتهم وحماية القنصليات لهم.
لم يكن السلطان سليم الثالث (١۷-1۷۸۹٠۱۸٠م) مستعدا لأخذ القرار اللازم بوقف الانحدار الذي يحدث في دولته. بل على العكس من ذلك تاماء فقد حاول أن يرضي حکام الدول الأوروبية ويالذات نابليون ليساعده فيي تحديث المؤسسة العمسكرية
۹۷
العشمانيةء فتحالف معه عام ١٠۱۸م واستخدم نابليون هذا التحالف كورقة على طاولة أية مفاوضات مع روسية وإنجلترة والنمسة. ومن ناحيته زاد السلطان سليم الطين بلة حين أصدر فرمانا في كانون الثاني (يناير) ١٠۸٠م يقضي بعدم التعرض للنصارى» والمقصود هنا بالطبع هم المسيحيون الذين يدينون يالولاء لفرنسة“" .
وحين تفاقم وضع المسيحيين الشرقيين من الأرثوذكس نتيجة المعاملة الخاصة التي يتمتع بها الكاثوليك تدخل البطريرك الأرثوذكسي في استانبول لدى السلطان. وزاد إلحاح الولاة وتحذيرهم من خطورة عمل المبشرين الفرنسيين والنمسويين والإنجليز في سورية. وبعد سنوات من هذه التحذيرات أدرك السلطان محمود الثاني (۱۸۳۹-۱۸۰۸ءم) أن الأمر يستحق تدخلا سريعا لإنقاذ ما بمكن إنقاذه فأصدر «خط شريف » إلى والي حلب بوقف نشاط الرهبان المحليين والرهبان الأوروييين الذين يقومون بتحويل الروم الأرثوذكس إلى الكاثوليكية «مذهب الإفرنج» أعداء الإنلاء*, ثالغاً: إن المتتبع للفرمانات السلطانية ولخط کلخانة ۱۸۴۹م وخط همايون ١۸5٠م یری باتها أكدت جميعها على ضمان المساراة بين جميع أصناف رعايا الدولة العشمانية. لكنها مع ذلك أبقت على امتيازات الملل غير الإسلامية» وحين حاول خط كلخانة إلغاء الجزية وفرض مساواة كاملة بين المسلمين وغير المسلمين فقد عارض الأرمن -كما بذكر السلطان عبد الحميد فيي مذكراته السياسية- عارضوا «إلغاء قانون الالتزام (الجزية) عندما أراده عبد المجيد بناء على اقتراح رشيد باشا ولم يتنازلوا عن امتيازاتهم القيمةء فقأاوموا هذا الإلغاء بإصرار وأجحوا بإبقاء كل شيء على ما کان علیه»"'.
وتستفيض الموسوعة الإسلامية في هذا الشأن فتقول «إن منح الرعايا من النصارى راليهود ما للمسلمين من حقوق كان معناه تجريد النصارى من القسط الكير من الحكم الذاتي الذي تتعوا به منذ عهد محمد الفاتح... وقامت مشكلات حول تجنيد غير المسلمين في الجيش. وسرعان ما تبين من ذلك أن هؤلاء لم يروا في مساواتهم بالمسلمين نفعا كبيرا؛ بل زاد هذا في العداوات رالخلافات التي كانت قائمة بين طرائفهم
A
المختلفةء وأصبح للأجانب آخر الأمر على قلة عددهم. السلطان الغالب بفضل الحريات والمزايا التي منحتهم إياها الامتيازات»""'.
رابعا: لقد ساهمت الحروب الداخلية في العالم الإسلامي حينذاك» سواء بين العشمانيين والصغويين أم بين العشمانيين ومحمد علي الكبير» في فتح ثغرات هائلة في الجبهة الداخلية للدولة العمشمانية. ولعبت أوروبة ورقة هذا الصراع واستغلعه إلى أقصى درجة لكي تمرر مشاريمها الخاصة بإضعاف أطرافه كلها. وقد سهل مرور المشروع الأوروبي اعتقاد طرفي الصراع السلطان ومحمد علي بأنه من الممكن استغلال تناقضات الدول الأوروبية فيما بينها أو الارتكان إلى تحالف مع بعضها الآخرء بل تهياً للسلطان إمكانية الاعتماد على دعم أجنبي لتسوية قضية إسلامية داخليةء وذلك ما حدث وجلب معه الكوارث للمسلمين» فقي سبيل كسب ود أوروبة مثلا سمح إبراهيم باشا ابن محمد علي الكبير ووالي سورية وفلسطين «للارساليات بأن تزرع الأفكار الغربية في أجزاء الشرق التي كانت تحت سيطرته» فأسس اليسوعيون الفرنسيون والبروتستنت الأميركيون بتشجيع من المصريين المدارس رالكليات. ونشرت المطابع المحلية أول مرة كتابات بالعربية والفرنسية والإمجليزية تركت في الشرق الأوسط أثرا ات٣
أما السلطان العشماني فقد آراد هو الآخر مغازلة إمجلترة وفرنسة فأصدر فرمان خط كلخانة الذي كان أول تنازل رسمي عن هيبة السلطنة أمام الضغوط الأجنبية. فاختارت أوروبة فيما بين محمد علي والسلطان العشماني وقررت دعم الأخير وإعادة سورية وفلسطين للدولة العشمانية ولكن بأي شروط؟ بل إنه بعد خروج الإدارة المصرية من الشام» كان العشمانيون يحاولون استعادة حكمهم المباشر في لبنان ووراثة الإدارة المصريةء وكان الإمجليز يخشون من ذلك حرصا على تفكيك المنطقة وضمانا لخطوط مواصلاتها العالمية» وكان الفرنسيون يدعون حمايتهم للموارنة لعل ذلك يقودهم إلى عودة صليبية إلى الشام» وحذت روسية حذوها بالنسبة للأرثوذكس» ولكي يكون هناك توازن في توزيع القوى المحلية اتخذ الإغجليز جانب الدروزء وغجحت إلجلترة - تشد أزرها بعض الدول الأوروبية - في كف يد الباب العالي عن التدخل المباشر في
۹۹
أمور جبل لبنان عن طريق نظام عرف بالقائمقاميتين» كانت أحداهما (مسيحية مارونية) في الشمال. الثانية (درزية) في الجنوب.* كانت المشاعر الدينية متوترة في الشرق بصفة عامة بسبب التدخلات الأوروبية لحماية المسيحيين حتى لقد شعر المسلمون أن أوروية تنوي تغليب المسيحيين عليهم. فكان طبيمياً أن تتحول الأمور إلى مذابح يين المسلمين والملسيحيين «لا في لبنان فقط بل كذلك في دمشق نفسهاء*“'.
وهكذا بدل أن يجد السلطان حلولا داخلية ناجحة في خلاقاته مع محمد علي الكبيرء خاصة وأن الأخير - رغم استعانته الكثيفة بالفرنسيين ودعمهم أول الأمر له - لم يطمح بأكشر من اعتراف السلطان بولايته. وكان قد نفذ أوامر السلطان وأرجع للسلطنة المناطق اليونانية الثائرة رغم معارضة أوروبة وتهديدها له. خسر السلطان إِذا إمكانيات تسوية سياسية مع محمد علي توفر له قيادة وجيشاً قديرين لمواجهة التحديات الأوروبية» وخسر محمد علي ما كسب من قوة حين استخدمها بدفع أوروية ضد السلطان. وقامت أوروبة بإعادة سورية إلى الدولة العشمانية ولكن بعد أن حولتها إلى قنابل طائفية موقوتة» حيث تفجرت فجأة وعمت المذابع في كل مكان» وما زالت آثارها التدميرية ماثلة وباقية في الواقع الاجتماعي للمنطقة إلى يومنا هذا.
وما أن بدأ الصراع الدرزي الماروني وبدأت المذايع في جبل لبان حتى «سارعت فرنسة إلى رفع شعار (حماية مسيحيي سورية) معبئة الرأي العام الفرنسي والرأي العام الأوروبي لتبرير تدخلها العمسكري في سورية عام ١٠۱۸م وكان يختبئ وراء هذا الادعاء مصالح واستراتيجيات ومشاريع؛ ومن بين هذه المشاريع: العودة إلى مشروع فصل سورية عن الدولة العشمانية. والخلاصة أن الدبلوماسية الفرنسية استطاعت بعد مفاوضات دولية وبعد تهيئة الرأي العام الفرنسي أن تبعث بأسطولها البحري إلى بيروت بقيادة الجنرال «بوفور» تحت يافطة «حماية المسيحيين في
* لزيد من التفاصيل عن درر الدول الأرروبية في حماية مسيحيي الشرق راجع الدراسة القيمة للدكتور غربغوار مرشو «بعض مقدمات الاستتباع: المرسلون رالمبشرون وشحوب ما وراء البحار» المنشررة في مجلة رسالة الجهاد العدد ۷١ السنة السابعة. تشرين الأول (أكتربر) 1۹۸۸.
NEN +» . سوریه»
نود هنا قبل الاستطراد أن نشير إلى نقطة هامة غابت عن الدراسة القيمة للدكتور وجيه كوثراني السالفة الذكر وأشار فيها بإسهاب لرسالة قائد الحملة الفرنسية على سورية والتي « تعح بعبارات الحرص على حماية المسيحيين» والمعبرة عن الأهداف الاستعمارية» حيث أن الجنرال بوفور لم يفعل - في نظرنا- سوى تكرار ما أمره به الامبراطور نابليون الثالث» الذي أرسل خطابا إلى جنود الحملة الفرنسية المرسلة إلى الشام في ۷ آب (أغسطس) ١٠۸٣م يؤكد فيه على الدور الصليبي الذي قام به الغرنسيون خلال الحروب الصليبيةء فيقرل في رسالته «ستقومون بواجبكم في هذه الأرض السحيقة الغنية بتذكارات مجيدة» فتبرهنون على أنكم أولاد أولئك الأبطال الذين حملوا علم المسيع (يقصد الصليبيين) في تلك البلاد بعز وشرف»'"'.
خلصت الحملة الفرنسية على سورية بضمانات أرادها الجنرال الفرنسي وهي «إذا كان يتعذر جعل حكومة سورية مسيحية ومستقلة وهو أفضل حل» وفصلها عن الباب العالي. فيجب على الأقل إيلاء لبنان حكومة مسيحيةء وإذا فزنا بأمنيتنا نكون قد خدمنا البلاد وقمنا با لمهمة التي قبلتها فرنسة حق القيام... وكان من أبرز نتائج هذه المقايضة الاستعمارية اتفاق اللجنة الدولية على نظام أساسي لجبل لبنان يعتبر جبل لبنان سنجقا عشمانيا ذا امتياز له وضع خاص: بحيث يولى عليه متصرف مسيحي فيسمى متصرفية جبل لبنان» ويكون تابعاً لحكومة استانبول لا لولاية دمشق»“'.
إن هذه الحقانق التاريخية تبين بشكل لا يدعو إلى أي شك ممكن حقيقة النوايا الصليبية العربية رغم الادعا ءات العلمانية ألتي تطلقها لإخفاء جوهر حركتها وفحوى أطماعها. إن الحملة على العالم الإسلامي ما زالت صليبية في جوهرهاء وقد اتضح الجانب الصليبي في مشروع نابليون الثالث في سوريةء حتى ان المؤرخ البريطاني دزموند ستيورت يذهب إلى أن تأثير الكنيسة في نابليون الغالث قد بدأ مبكرأ منذ «أن شفي الأمير الامبراطوري ولد يوجين الوحيد من ضربة الشمس. كان تأثير يوجين في نابليون الشالث ملاتما للكنيسة. وقد رمز القداس الذي قيل الآن في أرض إسلامية وبحضورها (يوجين) إلى آفاق متسعة» هنا تجلت أهداف فرنسة وبرز المشروع الصليبي لتابليون فقد «كان المدفع الفرنسي أو النفوذ الفرنسي يعيد فتح شمال أفريقية تلك
المنطقة الطويلة التي فتدتها الكنيسة وفقدها الكاثوليك. أصبحت ال جزاثر فرنسية منذ سنة ١۱۸۳م ومعظم الأوروبيين الذين هاجروا إلى مصر بأعداد كبيرة في عهد إسماعيل لمحب لغرنسة كانوا من الكاثوليك. فقد هبط إلى الإسكندرية منهم ثمانون ألغا في سنة ١١۱۸م وحدهاء ودا للذين يحلمون بكنيسة قوية على الأرض أن التحالف بين المدفع والدين سيؤدي إلى نتائج حسنة»"“'. ذلك هو المشروع الفرنسي للمنطقة وقد استمر كما سنرى - بشكل أو بآخر- إلى يومنا هذا.
أا المشروع الإمجليزي. فقد كانت بريطانية تحاول جاهدة أن تجد لها مواقع أقدام في المنطقة من خلال تسويغها وعملها في مجال التبشير البروتستانتي وحماية اليهود. وقد برز مشروعها الخاص بإعادة تسكين اليهرد الأوروبيين في فلسطين وبتدويل القدس» وترجع جذور هذا المشروع إلى شراء المبشر الأنغليكاني نيكولايسون قطعة أرض في جبل صهيون لبناء هيكل عبادة انغلیکاني» ولقد کتب في ۲۹ أيلول (سبتمبر) ۱۸۳۸م يحلم باستعمار اليهود لفلسطين تحت الحماية الإنجليزية العليا.. «عندما تصبح فلسطين المكان الممير والطبيعي لتجمع اليهود الجدد فقد تستخدم أيضا كموطن للمهتدين المسيحيين - اليهود- وكمستعمرة للاقتصاه الإمجليزي الذي كان يسير في طريق التوسع». ولكي نتبين الجذور الصليبية للمشروع اليهودي في فلسطين بكفي أن نقراً رسالة فون بونسن الدبلوماسي البروسي اليهودي إلى اللورد أشلي «أليس من العناية الإلهية أن يكون مصير الأرض المقدسة موضوعا في يد إنجلترة في هذا الوقت بالذات حيث يتقبل اللهء الذي لمست قدماه هذه الأرض» صلوات المؤمنين باللغة الإغجليزية وحسب طقوس الكنيسة الإنجليزية وذلك قوق جبل صهيون حيث تتحد ابتهالات العلماء والحاخامين اليهود بلفتهم الأصلية بابتهالات المسيحيين أبناء إنجلترة»"".
كانت تلك حالة الطامعين بالأراضي الإسلامية. والعاملين لتحقيق مشروعاتهم. أما الدولة العشمانية فقد كانت تعاني من فقدان شبه كامل لسيادتها على أراضيها بفعل نظام الملل» وبفعل الامتيازات الأجنبية وهو الأمر الذي جعل السلطان عبد الحميد الثاني (١۹-۱۸۷١۹٠م) يستصرخ الملا بقوله في مذكراته «منحنا لقيصر حق حماية الكاثوليك التابعين للكنيسة الألمانية في فلسطين» فبدأت فرنسة بالصراخ والعويلء
لست بحاكم هذا البلدء اليس من حقي أن استعمل كل صلاحياتي في الامبراطورية العشمانية ؟» نعم لم يكن بحاكم لسلطنته. ولم يكن بإمكانه أيضا إنقاذ مواطنيهء فقد تفاقمت الأزمة على كل الصعد حتى أنه أي السلطان عاجز عن إصدار قانون داخلي يس امتيازات الرعايا غير المسلمين. وبهذا الصدد يعبر بألم يدعو للاستغراب والرثاء في الوقت نفسه حين يقول «الضرائب عندنا ثقيلة الحمل» العشمانيون المساكين يؤدون نصف وارداتهم ضرائب حاجيات كثيرة.. أما النصارى فلا يؤدون الضرائب الكافيةء وياطلون في أدانها. فمن المعلوم أن النصارى في الممالك العشمانية مرتبطون ارتباطا وثيقا بالدول الکبری» يأتقرون بأوامرهم ويتحرکون وفقا لإراد تھہ»"'''.
ولقد لخص المؤرخ التركي ساجلار كيدر الدور الذي لعبته الملل غير الإسلامية في الامبراطورية بقوله «إن الأقليات - يقصد الدينية - قد لعبت دور الوسيط في عملية إدماج تركية في الاقتصاد العالمي. ففي الأناضول الغربية كان اليونانيون يحتكرون الأعمال التجارية والصناعية معا على حين أنه في الأقاليم الشرقية» وخاصة في سيسيليا. كان الأرمن يمتلكون أخصب الأراضي الزراعية. وكان هناك استقطاب متزايد ملحوظ قبل الحرب مباشرةء وتقول دائرة المعارف البريطانية إن أحوال السكان الأرمن في سیسیلیا عام ۱۹۱۳م کانت « تزدهر وتشضاعف ثرواتهم بینما کان السکان المسلمون يعانون من التدهور» "".
هذه حقيقة يدركها الاقتصاديون قبل غيرهم» فالتقرير الصناعي لسنة ۹۱۵٠م يشير إلى کون /۸٥« من رأس ا لمال المستخدم في هذه المشروعات - الصناعية - علوکا لیونانیین أو يهود أو أرمن أ5 أجاتب»”*.
انتهت الدولة العشمانية واقتسمت أوروبة أراضيها > ولم تنته بعد الحروب الطائفية والفتنة الغربيةء ولإدامتها فقد زرع الاستعمار في قلب الأمة الإسلامية ما جعلها في مذلة داثمة» وهو الكيان الصهيوني الذي يهده العقيدة ووحدة الوجود الإسلامي. ولولا سماحة الإسلام واعتماد العثمانيين لنظام الملل لما عرفت المنطقة» بل والولايات العشمانية الأوروبية أيضا. غير الإسلام دين وحضارة ولريا كان في ذلك الأمر العلاج المرتجى.
الفصل الرابع تغلغل القوانين الوضعية على حساب الشريعة الإسلامية
المقدمات
إن النظامين القانوني والقضائي اللذين سادا السلطنة العثمانية حتى نهاية القرن الشامن عشر ربداية القرن التاسع عشر كانت لهما مصدرية واحدة هي الشريعة الإسلامية. لكن غزو الحداثة الأوروبية الذي بدأ مع تأسيس النظام العسكري الجديد كبديل للمؤسسة العسكرية العشمانية (الانكشارية) اتسع بعد القضاء نهائيا على الانكشارية عام ١م ليشمل المؤسسات التعليمية أساسا والإدارية والسياسية نوعا ما ولكي يهي» أجواء السلطة لتحولات سياسية مهمة فيما بعد.
إن حركة التحديث إذا أضيفت إلى الاختراقات التي نتجت عن نظام الامتيازات الأجنبية. وما أفرزته من تدخلات سافرة وسقلقة في المجالات الطائثفية والقومية والسياسية والاقتصادية قد أبرزت صورة من صور ازدواجية السلطة اتضحت في صراع نظامين: قديم تلك الشرعية ولا تلك القوةء وجديد يتلك القوة داخلياً من خلال المؤسسات الحديشةء وخارجيا من دعم الدول الأوروبيةء ولكنه لا تلك الشرعية.
وقد نتج عن هذا الصراع الداميء مساومات توفيقية عكست نفسها بصدور التنظيمات التي ادعت بأنها لا تتعارض مع الشريعة الإسلامية. غير أنها أقرت رسميا بأن التحديث في السلطنة أوجب شروطه القانونية الوضعية على المجتمع الإسلامي» ودفع بالشريعة الإسلامية - رغم جدية المحاولات اليانسة للعامة ومثليهم من رجال الدين للحيلولة دون ذلك - إلى لعب دور ثانوي في حياة الناس» دور بتضاءل رور الزمن ويفسح المجال لعلمانية مشوهة للسلطنة.
سنعالح في هذا القسم من الدراسة كيف ومتى سمح بتغلغل القوانين الوضمية
الغربية وتراجعت أحكام الشريعة الإسلامية. وكيف كان لهذا الأمر عواقب وخيمة على حياة السلطنة رما فعأت تمارس تغريبها لبنية المجتمعات الإسلامية المشتحة» ومسخ الهوية الحضارية للأمة.
من البدهي الإشارة إلى أن عوامل عديدة تداخلت لكي توفر الأرضية المناسبة لتغلغل القوانين الوضعية داخل مؤسسات السلطنة العشمانية. فالأصل في تبني الوافد من الأفكار والقوانين ليس بغزو الحداثة الذي يفرضه الضغط الخارجي فحسب» بل بضغط الحاجة الداخلية له. وهو الشي»ء نفسه الذي عبر عنه المفكر الجزاتري مالك بن نبي» فعندما يعجز الداخل عن تجديد موروثه الفكري لتجاوز أزمته يستسلم للغزو الخارجي» وهر ما أسماه بالقابلية للاستعمار. ونستدل على ذلك ما أورده الأستاة طارق البشري في دراسته ألفذة عن حركة التجديد في التشريع الإسلامي في مصر حين ذكر «تفاعلت في القرن التاسع عشر ثلاثة عناصر كان من شأتها حدوث الاضطراب في البناء التشريعي وهياكله وأنساقه في أقطار الدولة العشمانية عامة وهذه العتاصر هي:
-١ جمود الوضع التشريعي الآخذ عن الشريعة أي ما آل له الجهد الاجتهادي من جمود في فترات الركود وهو الوضع الذي انحدر إلينا من قرون الركود السابقة.
۴- ما أوجبته الصحوة الاجتماعية والسياسية من طروء الحاجة الماسة لإصلاح الأوضاع والنظم وتجديدها.
-٣ الغزو الأرروبي السياسي والاقتصادي ثم العسكريء وأوضح مشال لهذا العنصر في موضوعنا هو نظام الامتيازات الأجنبية »“"'.
جا ءت التنظيمات لتكون أول إقرار رسمي بقاعلية هذه العوامل وضغطهاء فقد صدر عام ۱۸۳۹م على عهد السلطان عبد المجيد خط كلخانة الذي أشار إلى «أن الرعاية التامة للأحكام الجليلة القرآنية رالقوانين الشرعية هي التي رفعت سلطتنا السنية وجميع تبعتها إلى أعلى مرتبة من الرفاه وا معموريةء ولكن عدم الانقياد إلى الشرع الشريف قد أبدل تلك القرة الأولى إلى ضعف وافتقار »""'. ومع أن السلطان يعترف بأن سبب ضعف الدولة راجع إلى عدم تطبيق أحكام القرآن الكريم والسنة
النبويةء غير أنه لا يعود للأحكام القرآنية الجليلة كي يتجاوز هذا الضعف» بل يلجأ لسن قوانين وأنظمة جديدة مستوحاة من الأنظمة الغربية.
لقد أكد خط كلخانة على ثلاث نقاط رنيسة هي: توفير الأمن لجميع الرعايا دون تمييز» ضرورة إيجاد نظام ضريبي جديد إرساء نظام ثابت للجندية يحدد مدة الخدمة العسكرية. وعليه فقد وسم السلطان عبد المجيد في مجلس الأحكام العدلية الذي أسسه السلطان محمود الثاني (۱۸۳۹-۱۸۰۸ء) وطالب أعضاء المجلس أن يستوا قوانبن تخص الأمن والضرائب والخدمة العسكرية؛ ولكن هذه القوانين لم تكن من وحي الشريعة الإسلاميةء بل هي كما يقول ج. كرامرز في دائرة المعارف الإسلامية و كانت النظم الجديدة تقوم على أساس النظم الإدارية في الدول الأوروبية عامة وفرنسة بنوع خاص» حيث أدخل الصدر الأعظم مصطفى رشيد (توفي عام ۱۸۵۸ء) «بعد عام ۱۸۳۹م مباشرة نظاما جديدا للادارة في الولايات على النسق القرنسي وأبطل نظام الالترام»""".
وما زاد الطين بلة أن «صدرت في ١١۸٠م مجموعة قوانين جنائية وأنشئت محاكم نظامية سلخت الدعاوى الجزائية من القضاء الشرعي» وأنشنت محكمة تجارية مختلطة »""". وهو الأمر الذي لقي ترحيبا من الرأي العام الأوروبي واستنكارا من الرأي العام العشمائي عموما «فطبقة العلماء وقفت ضدهء بل إن رجال الدين أعلنوا بأن خط كلخانة مناف للقرآنء فعمت الاضطرايات والفوضى في أرجاء السلطنة يا**'. واشتدت المعارضة «للإصلاح» حتى قرر السلطان تنحية الصدر الأعظم من منصبه عام ۱1.,. ولکن ما أن عاد رشيد باشا إلى الصدارة العظمی عام ١٤۱۸م حتى عاود تنفيذ برنامجه فأعطى الأولوية لبرنامج تحديث السلطنة. فأسس محاكم مختلطة تقبل شهادة المسلمين والمسيحيين على حد سواء» وأجرى تحديثا كاملا لأنظمة التعليم والكتب المدرسية عام ١٤۱۸م كما أسس مدارس حديثة عسكرية ومدنية. ولقد تواصل تغلغل القوانين الوضعية إلى ساحة القضاء بحيث استطرد في سلخ الدعاوى المدنية من القضاء الشرعي» وأنشئت في عام ١٤۱۸م محاكم مدنية وجنائية مختلطة.. وفي عام ٠ ١۱۸م أصدر رشيد (الصدر الأعظم) قانونا تجاريا على مط
القانون التجاري الفرنسي» وأنشاً محكمة مختلطة للبت في القضايا التجارية التي يكون الأجانب أطرافا فيهاء وكان يعمل بها قضاة أتراك وأوروبيون. وأرسل مندوبين إلى الولايات للقيام بالتفتيش الدوري واستدعى مندوبين عن الولايات إلى الآستانة. وجرى إنشاء مجلس لمعاونة حاكم الولاية ثل فيه الأهالى""'.
إن الأمر الذي يدعو للسخرية والدهشة معا هو أن يعمل قضاة أوروبيون في ساحة القضاء العشماني» بل والأدهى من ذلك ما تضمنه القانون التجاري الفرنسي المعمول به من أحكام مخالغة للشرع الإسلامي. وهو ما نوه له الأستاذ طارق البشري بقوله «تضمن هذا التقنين أحكاما لا يكن أن تطبق إلا في فرنسة» كأحكام حقوق الزوجة عند امتلاك زوجها. لأن الذمة المالية للزوجة منفصلة عن ذمة الزوج المالية في الشريعة الإسلامية وفي النظام القانوني في الدولة العشمانية. ولا تعرف مجتمعاتنا نظام اشتراك الذمة المالية بين الزوجة والزوج»""'.
إن تواصل تدفق القرانين الوضعية لم يكن يتم» كما رأينا في ا مال السابق وفق حاجة أو خطة مرسومةء بل لقد تم بمزيد من الفوضى التي ترافق عمليا حالة الغزو. فالغزو الأوروبي قد اتسع ليشمل كل مجالات الحياة في السلطنة: التجارة والاقتصاد السياسة والثقافةء التعليم والتشريع» وقد تكلل ذلك كله بقرار إنشاء نظارة (وزارة) المعارف العمومية عام ۷م والتي كانت إيذانا بعصفية أنظمة التعليم التقليدية الإسلامية. فالوزارة تعمل إدارياً وفق النسق الغربي» وبرامج التعليم ومتاهجه غربيةء وا لمدرسة الحديشة إدارة وتعليما معدة لكي تخرج أجيالا من الملتصقين بالفكر الغربي مغاهيم ونظريات. وهكذا أبعد المسجد عن أداء دوره التعليمي والعقيدي» وبدأت عمليات التضييق على المدارس القرآنية التي تريي المسلمين على معرفة أصول وأحكام الشريعة الإسلامية. وهكذا سهلت عمليات التغريب» فالمدرسة تعلم طريقة في الحياة والتفكير تجعل الطلاب مغتربين بالضرورة عن واقعهم وترائهم حتى إذأ تخرجوا لن يجدوا العالم الذي يبحشون عنه سوى في الغرب. لقد مهدت هذه المدارس السبيل لعلمنة المؤسسة والدولة معا في العالم الإسلامي في فترة وجيزة جداً.
إن كثافة القرانين والأنظمة الجديدة التي صدرت سواء الفرمان الخاص بإدارة الولايات لعام ۴م أو قرار تقسيم المجلس الكبير إلى مجالس خاصة بالإصلاح ومجلس عال للقضاء عام ٤۱۸۵م قد ساهمت عمليا في حرمان علماء الدين المسلمين من حقهم في التشريع ومن تمارسة دورهم» فأضاف لركودهم الفكري أثقالاً جديدة وقطعهم عن إمكانيات الممارسة لأحكام الشريعة ومقتضيات الدعوة الإسلامية. والحق أن علماء الدين لم تتجاوز معارضتهم للقرانين الجديدة حد التذمر» وكان لا بد لهم لو امتلكوا الوعي والإرادة من الاستماتة في الدفاع عن أحكام الشريعة ورفض العمل بالقوانين الوضعية وهو ما تؤكده دائرة المعارف الإسلامية حين تقول «قلما كانت هناك اعتراضات شديدة من ناحية رجال الدين» فقد كان شيخ الإسلام حاضرا عند تلاوة (خط شريف) وإِن لم يبت أنه أجاز بغتوى من فتاواه مختلف القرانين التي صدرت نتيجة لذلك الط الشريف» في حين رفض الوزراء المصلحون أنفسهم الخروج على أبواب بعينها من الشريعة مشل عقاب الردة عن الإسلام أو عدم سماع شهادة غير المسلم في المحكمةء وإن لم يترددوا في القيام بأي جهد في المسائل التي لم تعرض لها الشريعة»""'. إن دور رجال الدين قد اقتصر على الرفض السلبي أو التكفير أو التحريض السري للعامة دون أن يتجاوز ذلك إلى المواجهة الصريحة والمباشرة» وهو أمر وإن عرقل سير ما سمي ب «الإصلاحات القضائية» غير آنه لم يحل دونها فقد تواصلت التطورات وصدرت تنظيمات أخرى أكثر جرأة وتغريبا...
التشويهات من هنا کان خط کلخانة عام ۱۸۳۹م وما صاحبه وتبعه من تشريعات قانونية يشكل القدمة الضرورية للتحديث» تحديث النظام القانوني العشماني الذي سأاهم في إحداث تقلبات بنيوية خطيرة في جوهر علاقة ا لمجتمع العشماني با لمؤسسات الرسمية. فالتحدیث لم يکن - في حقيقة الأمر- تجديدا لنظام قديم آو تطویرا له وعصرنته بل كان عملية زرع نظام قانوني حديث يعمل بآليات ومفاهيم ونظم مختلفة لا تحجد جذورها في واقع الاجتماع الإسلامي» ومن هنا فهي لا تعيش إلا على حساب البنى
التقليدية. فقد كان للقرانين الوضمية دور أساسي هو إبعاد الشريعة الإسلامية عن كل مجالات الحياةالعثمانية وأنشطتها بهدف استكمال إرساء تقاليد قضائية علمانية.
وعليه فقد تبين آن خط كلخانة لم يكن كافيا في نظر الدول الأوروبية التي تطمح إلى عمليات «إصلاح» أوسع تقدم لها ضمانات الاختراق الكامل والفصل العمملي بين الإسلام والمؤسسات العشمانيةء لذلك عادت الدولالأوروبية لممارسة ضغوطهاء فأصدر السلطان خط همايون لعام ١۱۸۵م الذي كان بمشابة هدية إلى إمجلعرة وفرنسة اللتين وقفتا ضد تقسيم أراضي السلطنة العشمانية في أعقاب حرب القرم وهزيتها أمام روسية القيصرية» فقد وضعت السلطنة رسميا تحت حماية الدولتين السالفتي الذكر وجب معاهدة باريس عام ١١۱۸ءم.*
نص خط همایون على أن «جميع الدعاوى التي تحدث فيما بين أهل الإسلام والمسيحيين وباقي التبعة غير المسلمة. أو بين التبعة المسيحية وبين باقي تابعي المذاهب المختلفة غير المسلمة» تجارية كانت أو جنائية تحال إلى دواوين مختلطة والمجالس التي تعقد من طرف هذه الدواوين لأجل استماع الدعوى تكون علنية بمواجهة المدعي والمدعى عليه والشهرد الذين يقيمانهم ينبغي أن يصادقوا على تقاريرهم الواقعة دائما واحدة فواحدة بيمين يحبرونه حسب اعتقادهم ومذاهبهم. أما الدعاوى العائدة إلى الحقوق العادية فينبغي أن ترى شرعاً أو نظاما بحضور الرالي وقاضي البلدة في مجالس الإيالات والألوية المختلطة أيضا. وتجري ال محاكمات الواقعة في هذه المحاكم والمجالس علنا. وأما الدعاوى الخاصة مشل الحقوق الإرثية فيما بين شخصين من المسيحيين وباقي التبعية غير المسلمة. فتحال على أن ترى إذا أرادت أصحاب الدعوى بمعرفة البطريرك أو الرؤساء والمجالس... تعطى المساعدات للأجانب إن تصرفوا في الأملاك أيضا بحسب اتباع قوانين دولتي العليةء وامتثال نظامات
أحمد عبد الرحيم مصطفى في أصول التاريخ العشماني. وذكر أيضا نبي دائرة المعارف الإسلامية قي مادة تنظيمات.. ألخ.
11.
الضابطة للبلديةء وإعطائهم أصل التكاليف التي تعطيها الأهالي الوطنيون»"".
أكد خط همايون على التزام السلطان با جاء في خط كلخانة ووعد مساراة الملسلمين وغير المسلمين وأمر بتأسيس المحاكم المختلطة للفصل بين المسلمين وغيرهم. كما وعد بمنح الدول الأجنبية حق امتلاك الأراضي بالدولة المشمانيةء وهو الأمر الذي فتح نافذة جديدة للتدخل الأجنبي في شؤون السلطنة الداخلية. «وفي عام ١۸۵٠م صدر قرار بتأسیس البنك العثمانيء وكان معظم رأسماله إنجليزياً. وكانت مهمته تزويد الدولة بالقروض. ثم أعيد تنظيم وزارة المالية وزيدت كفاءتها وأدخل نظام الميزائية الستوية للمرة الأولى. وفي عام ۷١۱۸م ألغيت الجزية وفق ما نص عليه الخط الهمايوني وحل محلها بدل عسكري شبيه بذلك الذي كان يدفعه المسلمون»""". وفي عام ۱۸۵۸م نشرت مجموعة قوانين خاصة بالأراضي ومجموعة جنائية منقولة أصلا من القانون الفرنسي.
إن الأمر الملفت للنظر في هذه القوانين وبالذات ما نص عليه الخط الهمايوني هو أنه أمر بمساراة كاملة بين المسلمين وغير المسلمين. لكنه نص كذلك على إبقاء الحقوق والامتيازات التي يتمتع بها غير المسلمين في السلطنة وفي هذا تناقض صارخ» وفي كل الأحوال فإن المساواة الحقيقية بين المسلمين وغيرهم هي ضد مصالح المسيحيين واليهود. وهو ما تؤكده دائرة المعارف الإسلامية حين تذكر «أن منح الرعايا من النصارى واليهود ما للمسلمين من حقوق كان معناه تجريد النصارى من القسط الكبير من الحكم الذاتي الذي تمتعوا به منذ عهد السلطان محمد الفاتح» وسرعان ما تبين من ذلك أن هؤلاء لم يروا في مساواتهم بالمسلمين نفع كبيرا»""". لذلك فقد عدل السلطان خط كلخانة الذي وعد بالمساواة بين المسلمين والمسيحيين لكي يتضمن الخط الهمايوني هذا التناقض ما بين الرغبة في المساواة والإبقاء على الامتيازات الأجنبية لغير المسلمين ! ومن المعلوم أن ذلك قد تم أرضاء للدول الأوروبية» حيث « أصبحت الدولة العشمانية بعد صدور هذا المنشور عضوا في جماعة الدول الخاضعة للقانون الدولي» ونصت على ذلك المادة السابعة من معاهدة باريس ١۱۸0م" .
وهكذا تدفقت القوانين الوضعية بشكل لم نسبق له مغيل» فمن القانون
الجزائي لعام ٠٤۱۸م؛ المبني على المبادئ والأنكار الغربيةء ومرورا بالقانون التجاري الفرنسي الذي تبنته الدولة العشمانية عام ۱۸0۸م إلى القانون التجاري البحري المستمد هو الآخر من فرنسة والذي صدر عام ۴١۱۸م» فإن المحاكم الحجارية التي استحدثت منذ عام ٠٤۱۸م كانت -حسب ما أورده ا مؤرخ الفرنسي بول دومونت - «الخطوات الأرلى لإرساء نظام قانوني علماني منفصل عن جهاز رجال الدين» فهذه المحاكم قد تشكلت من ثلائة قضاة معينين من الحكومة. وأربعة معاونين للقضاة يمشلون تجار الأقليات والأوروبيين» وتطبق هذه المحاكم القانون المستورد من فرنسة» وتعمل وفق الشروط نفسها المعمول بها في أوروية »""". بل إن المؤرخ دومونت يلاحظ «أن القانون التجاري يبيح الرياء ويسمح بتأسيس جمعيات خاصة ينها ا مشر الإسلامي لذلك فقد ثار جدل عنيف أدى إلى معارضة كبيرة»""". ومع ذلك فإن دومونت يعتبر عملية تقنين التنظيمات وإرساء التشريعات الوضعية قد عبرا عن زواج ناجح بين الإسلام والحداثة !١
وقد كاد «زواج الإسلام » السالف الذكر بالحداثة أن يودي بواحدة من أهم أركان الدولة الإسلامية وهي وزارة الأوقاف الدينيةء أو نظام الحبوس الذي كان يشل -حسب ما أورده الرئيس الجزائري الأسبق أحمد بن بلة- ريع ثروات العالم الإسلامي» إذ أن ثلث منازل العاصمة الجزائرية عند الاحتلال الفرنسي عام ١۸۴٠م كان حبوساء وكذلك كان ربع المساحات العقارية والمساحات الصالحة للزراعة في تونس عشية الاحتلال""". ومع ذلك فقد أصدر السلطان عام ١۱۸۷م قانونا يبقضي بإلغاء وزارة الأوقاف الدينية ولكنه لم ينفذ.
إن سباق التنافس بين تياري الإسلام والحداثة كان على أشده في فترة حكم السلطان عبد العريز (١١۸١-١۱۸۷ء). ففي الوقت الذي هيمنت فيه القوانين الرضعية على المعاملات التجارية والمحاكم المختلطة وفي المجالات السياسية» حاربت الشريعة الإسلامية للحفاظ على مواقعها المنبقية لها في نظام المعاملات المدنية من خلال صدور « مجلة الأحكام العدلية». فقي إطار اتساع داثرة القوانين الرضعية نذكر قوانين عام ٤۸۷٠م التي أصدرها ضمن التنظيمات السلطان عبد العزيز وأهم ما
11۲
تصضصملته:
-١ الفصل بين السلطتين التنفيذية والقضائية.
- حق جميع الرعايا في انتخاب ميزين وأعضاء المحاكم النظامية وغيزين وأعضاء مجلس الإدارة.
۴- التأكيد على وجوب المحافظة على أموال جميع الرعايا وعلى ناموسهم وأعراضهم وسن القوانين ا لمتعلقة بالضابطة.
-٤ التأكيد على المساواة بين جميع أصناف رعايا الدولة مع الإبقاء على امتيازات الملل غير المسلىة"'.
أما التيار الإسلامي فقد كان يحارب على جبهة ثانية أبدع فيها أا إبداع حين اجتهد فأصاب واختلى بساحة المعاملات المدنية التي هي عمدة النظام القانوني عامة. ويجدر بنا التنويه إلى أن هذا التيار لم ينل فرصته اللازمة للابداع» فعلى مدى أربعين عاماً تقريبا (۱۸۷۹-1۸۳۹ء) «اطرد زحف التشريعات الغربية في نظم الدولة المثمانية» كما اطرد انحسار الشريعة الإسلامية. وهيمن التشريع الغربي على نظام القضاء. وعلى تنظيم التجارة وتنظيم الأراضي والتنظيم الجنائي. وإذا كان المعروف أن نظم التجارة تهيمن على علاقات التعامل سواء التجارية بالمعنى الاقتصادي أو الصناعية (التحويلية) فإن هذا النظام مع نظام الأراضي يشكل الهيمنة الغالبة على النشاط الاقتصادي الإنتاجي والتبادلي في المجتمع. ولم يفلت من هذا الزحف التشريعي الأوروبي إلا نظام المعاملات المدنية غير التجارية الذي دون له تقنين عرف باسم مجلة الأحكام العدلية. شكلت له لجنة برناسة أحمد جودت باشا»"". ولقد استعان أحمد جودت باشا (۱۸۲۳-١۱۸۹ء) بأفضل وأشهر متشرعي ذلك العصر؛ وبعد عمل دؤوب استمر سبعة أعوام انتهت اللجنة من وضع ستة عشر مجلدا من القوانين المنبشقة عن المذهب الحنفي وصدرت المجلة عام ٦ہ لتکون أبرز مؤلف
قانوني إسلامي حتى ذلك E] وقد دللت «على ما لفقه الشريعة من مرونة وتقبل للمعاصرة وقابلية للتقنين ومن جهة ثانية فإن «المجلة» بوصفها عملا تقنينيا (أي تجميع الأحكام وتصنيفها وترتيبها بتبويب منطقي علمي على هيشة حوارات
۱۹۲
متتابعة)» كانت أكمل تقنبن أخذ عن الفقه الإسلامي في ذلك الوقت.»"""'.
علمنة المؤسسات
لم ينته صراع الشريعة مع القوانين الوضعية» ومهما اجتهد فقهاء الأمة ومششرعيهاء ولجحوا بالاحتفاظ بساحة المعاملات المدنيةء فإن قرار علمنة المؤسسات كان قد اتخذ ويعجز أي سلطان عن التراجع عنه» لأنه في الواقع لم يكن قرارا داخلياء بقدر ما كان قانونا مفروضا من أوروبة تحميه حرابهم خارجيأء والحداثيون ومن ارتبط معهم بالمصالح داخلياً.
اكتملت علمنة ا لمؤسسات العشمانية بصدور دستور مدحت باشا عام ١۱۸۷م بعد نجاح انقلابه الأبيض بدفع ودعم من تركية الفتاة التي تتخذ من البلدان الأوروبية مراكز عمل أساسية لها. ولقد أاستقى دسحور مدحت باشا مواده وأحكامه من الدساتير البلجيكية والفرنسية والسويسرية» وجاء معبرا عن توجهات الدولة القومية. ويوافقة السلطان عبد الحميد على إقرار هذا الدستور (مرغما بالطبع) فقد التحقت الدولة العثمانية بقافلة الدول الدستورية الأوروبية السائرة على تعزيز أنظمتها القومية الوطنية. ولكن الفرق بين الدولة العشمانية والبلدان الأوروبية هو أن الأخيرة قد اختارت دساتيرها وتشريعاتها من وحي واقعها الاجتماعي وتراثها الوطني وأمانيها القومية. في حين استبعدت الدولة المشمانية كل هذه السياقات» وأبعدت أحكام الشريمة الإسلامية التي تعد النظام التشريعي الوحيد الذي يكن أن يعزز وحدة الشعوب الإسلامية من خلال التكوين الحضاري والتاريخي للأمة الإسلامية وتعزيز هوية الانتماء له.
احتفلت الولابات العشمانية فرحة با سمته «عهد المشروطية الأول» وكانت الأمال متجهة إلى مزيد من اللامركزية للعناصر غير التركية وإلى تقليص سلطات السلطان وضمان الحربات العامة. وهذه هي شعارات عهد المشروطيةء وهكذا رسم الأوروبيون طموحات العشمانيبن على اساش أن تقدم دولتهم لا مر إلا بالأخذ عن الأنظمة الغربية الدستورية. ولكن الدستور «المستورد » كان دستورا علمانيا يلبي
114
حاجة الدول القومية الناشئة وليس دستورا دينيا إسلاميا في دولة قائمة أساسا على تجاوز مذهب القوميات بأمة أساس رباطها الإان بالله وباليوم الآخر. لذلك كان الدستور مخيبا للآمال. بل إنه فتح الأبواب مشرعة لبروز تيارات قومية في دولة قائمة على الاتدلاف الديني بين قوميات لا يربطها سوى الإسلام. وهكذا فإن إبعاد الشريعة معناه إبعاد الإسلام عن دوره التوحيدي للأمةء وسيادة العصبيات القومية التجزيئية.
لقد أصر القوميون الأتراك على أن الدستور دستورهم؛ ورکتب رئنیس تحرير جريدة «طنين» الجريدة المركزية للاتحاد والترقي» حسين جاهد في افتتاحيته «إن الأمة التركية كانت وستظل هي الحاكمة في السلطنة العثمانيةء وان الترك يتمتعون بحقوق وامستيازات سامية بصفتهم فاتحين فلا مجال إذا للاعتراف بحقوق مساوية للعناصر العرقية الأخرى. وإن الدستور العشماني لا يكن أن يكون في شكله النهائي سوى دستور تركي »""". أما القرميون من العرب فقد اعتقدوا في البداية أن الدستور سيمنحهم اللامركزية والحريات ألتي یحلمون بها فخابت آمالهم. ووحدها العناصر غير الإسلامية استفادت من الدستورء ذلك أنه عجل في ربطها كليا بقافلة الدرل الأرروبيةء ويناء دولتها القرمية المستقلة عن الدولة العشمانية !
اتساع حركة العلمنة
امتدت تأثيرات عهد المشروطية الأول إلى باقي الولايات العشمانية التي تتمتع ببعض الاستقلال كمصر وتونس. ففي مصر وعد أقل من خمس سنوات من صدور دستور مدحت باشا «ظهر التفكير في إنشاء القضاء الأهلي والقوانين الأهلية في سنة ٠,م؛ وقد أوقفت الثورة العرابية سير هذه الحركة وقتا ما. ثم عاودت المسير بعد هذاء وشهد عام ۱۸۸۴م صدور لاتحة تنظيم المحاكم الأهلية. ثم صدور القانون المدني والقانون التجاري وقانون التجارة البحري» وقانون المرافعات وقانرن تحقيق الجنايات في تشرين الثاني (نوفمبر) من السنة نفسهاء أخذت جميعها من القوانين المختلطة مع بعض التعديل الذي يلائم أوضاع البيئة المصرية» وساهم في وضعها محام إيطالي عمل قاضيا بالمحاكم المختلطة اسمه موريوندو» وشارك معه بعض المصريين مشل محمد قدري
1۵
وبطرس غالي. ووضعت بالفرنسية ثم ترجمت إلى العربية. وافتتحت المحاكم الأهلية لتعمل بها في أول كانون الغاني (يناير) سنة ٤۸۸٣م بالوجه البحري» وفي سنة ۹م بالوجه القبلي. وأسميت هذه الحركة «حركة الإصلاح القضائي» وقد عرضت هذه القوانين على مفتي الديار المصرية فرفض المصادقة عليها »“"'.
أما في تونس فلقد بدأت المقدمات النظرية للتقديم لعهد التنظيمات على يد خير الدين التونسي صاحب «أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك» وزميله ورفيقه في الدعوة لحركة «الإصلاح» أحمد بن أبي الضياف صاحب كتاب «إتحاف أهل الزمان بأخبار ا ملوك وعهد الأمان» فقد حمل الاثنان مشروعا سياسيا خاصا بالإصلاح انطلاةا غا حدث في مركز السلطنة العشمانية بالآستانة. معتمدين على نوذج الدولة الأوروبية ويخاصة فرنسة. وكان هؤلاء يعلمون جيدا بأن الإصلاح لن يكون مقبولا في تونس دون موافقة العلماء والفقهاء عليه. لذلك فقد حاولوا أولاأ أن يردوا على القائلين بأن التنظيمات «مستوردة» من بلد مسيحي» فقالوا بأنها من صنع المصلحة العقلانية وليس لها علاقة بالعقيدة المسيحية. وهي مؤسسة على العدل السياسي الذي هو أساس التقدم الحادث في أوروبة. لذلك «فالقوانين الستوردة من أوروبة المسيحية إلى تونس المسلمة قد ارتكزت على أربعة مقومات:
- تجريد القوانين المنقولة من علاقتها بالدين المسيحي.
- إبراز ها تتسم به هذه القوانين من عقلانية وقيامها على المصلحة.
- إظهار عدم تضاربها مع مبادئ الشريعة الإسلامية.
- استخدام مغاهيم من التراث العربي الإسلامي كالأمان والشورى والعدل» وهي رموز معهودة لمضامين جديدة مستوردة لتسهيل عملية الاستيعاب ي" .
هكذا كانت المقدمات التي تكللت بصدور عهد الأمان في ١ أيلول (سبتمبر) ۷م الذي بدأ بنقل التشريعات القانونية الوضعية إلى توتس حيث « تكون مجلس لصيانة قوانين تطبيقية مستمدة من المبادئ الواردة في عهد الأمانء وبعد الاجتماع الأول لهذا المجلس انسحب رجال الدين وتعللوا بأن منصبهم الشرعي لا يناسب مباشرة الأمور السياسية»"""'.
ولكن انسحاب رجال الدين لم يوقف حركة تبني المؤسسات التونسية للقرانين
17
الوضعية. ففي الشهر الأول من عام ١١۱۸م أعلن الباي الدستورء وأسس مؤسسات قضانية تتمشل في التالية: مجلس الجنايات والأحكام العرفية. مجلس التحقيق» مجلس الأكبر أو مجلس الشورى. ولم يكن علماء الدين والعامة على اتفاق على ما يحدث من غزو غربي لساحة القضاء الإسلامي» ولقد استغلوا الفرصة الأولى لكي يعبروا عن سخطهم على حركة «الإصلاح» هذه فثار سكان العاصمة على ارتفاع أسعار القمح؛ وحين التقاهم الوزير طلبوا منه أن يعلم الباي بالتالي: «إننا قدمنا للشكاية من أحكام المجالس»""'. وكان في البلاد نوعان من القضاء: المحاكم الشرعية التي يسيرها رجال الدين» والمحاكم الجديدة الخاضعة للقانون الوضعي» وكان الصراع دائراً بين هذين الصنفين. وقد كان لانتفاضة أو ثورة علي بن غذاهم عام ٤م أثرها الحاسم في تغيير الأمور في البلا إذ ثارت القبائل البدوية وأجبر الباي على تعطيل الدستور وانتهت المجالس القضائية الوضعية.
وفي مركز الدولة العثمانية استجمم السلطان عبدالحميد الفاني (۱۹۰۹-۱۸۷۷ء) قواه وأوقف العمل بالدستور الجديد عام ۱۸۷۸م وأقال مدحت باشا الصدر الأعظم» ونفاه إلى خارج البلاد. وهكذا نلاحظ آخر محاولات المقاومة لحركة التشريع القضاني الوضعية فيي السلطنة العشمانية والولايات شبه المستقلة عنها. لكن هذه المقاومة لن تستمر -مع الأسف- طويل فالسلطنة كانت قد ارتهنت قرارها الداخلي للدول الأوروبية وفق مواثيق دولية وبحكم انحطاط وضعها الاقتصادي والسياسي والعسكري. وقد غرقت مصر في ديونها « وأعلنت الحكومة المصرية إفلاسها فيي ۸/٤/١۱۸۷م» وتوقف الخديوي عن دفع سنداته المالية. فاستغل الدائنون هذا الوضع حالاً كيما يفرضوا على مصر رقابة مالية حقيقية. وألفت الدول في ۴۴+ مم جنة لمراقبة دين الخديوي» كان من أعضائها ممثلو فرنسة والنمسة وإيطاليةء وعرف أعضاء هذه اللجنة بمفوضي الديون»."" ولم يكن الأمر في تونس بأحسن من مصرء فقد « حل الإفلاس الالي بحكومة الباي عام ۷١۱۸ء. أي قبل ۸ سنوات من إفلاس تركية ومصر. واستغلت الدول الأوروبية هذا الوضع لفرض رقابة مالية على تونس. وفي عام ١۱۸۹م ألفت لجنة مالية دولية للإشراف على مداخيل
1۱¥
ونفقات الحكومة التونسية» وأسهم في هذه اللجنة مشلون عن المرابين الفرنسيين والأغجلو- مالطيين والإيطاليين»""'.
كانت علمنة ا لمؤسسات مقدمة للتجزنة المنتظرة ولقيام الدول القومية الحديشة في العالم الإسلامي. وإن انفصام الاجتماع الإسلامي عن تاريخه وقضائه الشرعي هو الذي يفسر انفكاك المسلمين عن الشقة بدولهم القومية. إن حوارا عن صراع الشريعة مع القوانين الوضعية قام منذ قرن ونيف ولا يزال قائماً بحدة أشد» وسنتناول بعضا منه كمؤشر على فداحة الخسارة التي ألحقت بالمسلمين» وعلى عودة الوعي الإسلامي ورفض الوافد والتعلق با موروث الأصيل النابع من ضمير الأمة.
ديمومة الصراع
لم ينه الحوار حول صراع الشريعة الإسلامية مع القوانين الوضعية. الذي بدأ مع أول إعلان للتنظيمات. إلى يومنا هذاء فما زال الجدل قائما في الوسط الفكري العربي في جدوى «الإصلاح القضاني ». بل جدوى التنظيمات بأسرها من نأحية» وفي تأثيراتها على المجتمع الإسلامي من ناحية ثانية. وفي من دفع مجتمعاتنا إلى هذا «الإصلاح »: الحاجة ام السلطان أم أوروية ؟ بمعنى تحديد مسؤولية قرار تغريب البنية القضائية وعلمنتها.
ماذا أريد من إقرار هذه التشريعات؟ سؤال ردد إجابته أغلب الكتابات العربية والتركية» فالقوميون والحداثيون عموما وجدوا في التنظيمات وفي الاأستعارة القانونية إصلاحا قضائيا مهما جدا اقتضته ظروف العصر, واعتيروه ا مخرج الوحيد للامبراطورية من أزمتهاء ذلك لأنه -حسب مبرراتهم- يقيم بعض الرقابة الدستورية على سلطة السلطان ويحدد صلاحياتهء كما أنه بفصله السلطات الثلاث وعمله لبناء دولة القانون إنما يؤسس مجتمعا ليبراليا تظلله ديقراطية واسعة تحقق العدل والحرية. ولهذه الأحلام عملت الأحزاب التي تأسست في الامبراطورية في نهاية القرن التاسع عشر وأهمها «تركية الفتاة» و «حزب الأحرار العشمانيين» و «جمعية اللامركزية الإدارية». فقد اتخذت هذه الأحزاب شعارات الثورة الفرنسية: الحرية والإخاء والمساواة
۱1۸
أهدافا لها وما زالت الأحزاب العملمانية في أرجاء العالم الإسلامي تعمل ضمن هذه الحدود وتراودها الأحلام ذاتها. ولقد أثبتت التطورات التي مرت بها المجتمعات الإسلامية فداحة الخسارة التي منيت بها هذه الفئات الاجتماعية من النخب فلا الامبرأطورية العشمانية قد استفادت من التحديث المفروض. ولا دولة القانون المنشودة تحققت» لا شيء سوى التجزئة والاستعمار» ومع ذلك استمر الحلم قائما مع قيام الدولة المجزأة الحديثة وبعدهاء وكان وما زال متعثرا في إخفاقاته المتكررة على كل الصعدء الأمر الذي أكد مقولات الحركات الإسلامية في إدانتها مسيرة التحديث.
إن أولى تأثيرات ما سمي ب «الإصلاح القضائي » هو تهيد الطريق لغزو البنية الفكرية الإسلامية ثم إجبار مجتمعاتنا على العمل بآليات السوق الغربية والتبعية لها وهو ما سبب حالة عدم الوعي بالصراع الحضاري الفكري القائم بين منظومة كاملة من العقائد والأفكار المؤسسة لتاريخنا وحضارتناء وبين قيم وفلسفات دخيلة تتعارض في أغلب الصعد مع قيمنا وفلسفتنا. وبا ليت الأمر اقتصر على ذلك» بل أن الخطورة تكمن في أن قيم الغرب طاردة ورافضة لغيرها. وفي هذا الصدد يتسا ءل الأستاذ طارق البشري برارة قائلا: «ألم يؤد هذا الوفود التشريعي» حتى بعد التلاؤم والتهذيب» إلى الانفصام بين نظام الحقوق والواجبات وبين مجموعة القيم ومعايير الحضارة والأخلاق التي لا يزال غالبها متصل الروابط بالتكوين التاريخي والنفسي الممتد فينا. ألم نغقد بعضا من هويتنا وشموخنا وعزتنا القومية باستبعاد بناء تشريعي كان أفضل تراث للعقلية الإسلامية العربية» بل لعل العبقرية الإسلامية العربية لم تتمشل في نشاط فكري هشل ما تثلت في جمهورفقهاء الإسلام العظام»*.
وفي مجال قياسه للتأثيرات المباشرة لحركة التحديث على المشال المصري يلاحظ الدكتور رضوان السيد أن «خطة محمد علي كانت ضرب الوقع الاجتماعي للأزهر عن طريق - السحب التدريجي- للسلطة التعليمية من يد شيوخه مع ما يحيط بها من هيبة دينية... ذلك أن مهمة المدارس المصرية الحديثةء ومدارس الإرساليات الناشثة كانت تربية كوادر للدولة الحديشة الناشئة. ولم يطامن من جماح الحداثة المعادية للأزهر
انهيار الجيش المصري بانهيار أحلام محمد علي التوسعية» إذ صارت دوائر الدولة بعد العام ٠١۸٣م لا تستقبل رلا توظف غير الناشئين على النظام الحديث. لقد اقتصر دعم الأزهر على أوقافه وعلى وظائف الوعظ روالإرشاد رالقضاء. ثم أنشئت مدرسة القضاء الشرعي التي حرمت الأزهر من آخر علاقة له بالحياة اليومية للناسء"*'.
أما من دفع لهذا الوفود التشريعي ؟ الحاجة أم السلطان أم أوروبة ؟ ففي واقع الحال وكما أسلفناء كانت هناك حاجة فعلية بسبب الجمود التشريعي» وعدم الشروع بالاجتهاد أو الإقرار به. وأفضل مثال نسرقه هنا هو الموقف السلبي لشيخ الإسلام في عاصمة السلطنةء ففي الوقت الذي رفض مفتي الديار المصرية المصادقة على القوانين الجديدةء وانسحب العلماء في تونس من حفلة التبريك لمهد الأمان وإعلان الدستورء كان موقف شيخ الإسلام في استانبول أدنى من مهماته الدينية ومسؤولياته» فقد خشي المعارضة الصريحة للقوانين ا لجديدة من السلطان. كما أنه لم يعمل على الاستنياط من فقه الشريعة ما يلبي متطلبات العصر» وفوق هذا وذاك وقف ضد أبرز اجتهاد عرفه تاريخ الدرلة العشمانية وهو ما أنتجه جودت باشا رفريق الفقهاء العامل معه «مجلة الأحكام العدلية» التي لولاها لانسحبت الشريعة الإسلامية من آخو مواقعها في ساحة المعاملات. فقد امتنع شيخ الإسلام» وهو أعلى مرجع قضائي في السلطنة العشمانيةء ومنع المفتين التابعين له عن إصدار أي فتوى بشأن مجموعة القوانين المدنية المسماة بالمجلة التي صدرت استنادا إلى المذهب الحنفي وما ذلك إلا لأنها اشتملت على بعض التعديلات التي افتقرت إلى ما يسندها عند مؤسس هذا المذهب"“'.
يبقى الحوار عن مدى مسؤرلية السلطان عن العمل بالتحديث. وهنا أيضا نجد آراء متعددة؛ فبعض المتخصصين في فقه الشريعة والقانون يرفعون المسؤولية عن السلاطين الذين سمحوا - ولو بضغط خارجي- بغزو القوانين الوضعية. فالشهيد عبد القادر عودة يبرأً في كتابه «الإسلام بين جهل أبنانه وعجز علمانه» ساحة أولي الأمر بقوله «إن أولي الأمر في معظم البلاد الإسلامية. لم بخطر على بالهم أن يخالفوا الشريعة لا قدي ولا حديثاء ولكن القوانين جا ءت مخالغة للشريعة بالرغم من ذلك
N۰
وبالرغم من حرص بعضهم على منع التخالف» ولعل السر في ذلك هو أن واضعي القوانين إما أوروبيون ليس لهم صلة بالشريعة. أو مسلمون درسوا القرانين ولم يدرسوا الشريعة... فترتتب على ذلك تمطيل الشريعة تعطيلا عملياء" . ونستخلص من ذلك أن تعطيل الشريعة لم يكن بسبب موافقة أولي الأمرء لأنهم لا يرتضون مخالفة الشريعة ولذلك سمحوا بتعطيلها )!.
إن رأيأ أكثر عمق ووعيا ا حدث ينبغي أن يذكر في هذا الشأن وهو للشيخ الإمام آبو زهرة الذي فصل بعناية وبموضوعية دور كل من الفقهاء والحكام في ما آلت إليه الأوضاع القانونية في العالم الإسلامي» يذكر الإمام أبو زهرة: «على حين كانت الشريعة الإسلامية هي المصدر الغالب للقواعد القانونية في الامبراطورية العشمانية وذلك في مجال القانون الخاص وإلى حد ما في مجال التجريم والعقاب. فإن الأمر لم يكن على هذا النحو من الإطلاق في مجال تنظيم السلطة السياسية أو ما يعرف الآن بقواعد القانون العام. وبرجع ذلك إلى اعتبارات متعددة منها ما بتعلق بالغقه الإسلامي ذاته. فمن المعروف أن فقهاء أهل السنة لم يولوا مسائل السياسة الشرعية نفس الاهتمام الذي أرلره لمسائل العقوبات رالمعاملات. فإذا ما تجاوزنا عن بعض بحوثهم في مسائل الخلافة والقضاء لأمكننا القول أن قراعد القانون العام أي القواعد المنظمة لنشاط السلطة السياسية في المجتمعات الإسلامية كانت في مجملها قراعد دنيوية تمليها اعتبارات المصلحة وهي في الغالب مصلحة الحكام خصوصا في فترات تدهور الدولة الإسلامية.. ويصدق ذلك على الدولة العشمانية »““'.
سبق أن أوردنا الدور الأوروبي في إقرار التنظيمات في معال جاتنا السابقة معضلات الدولة العشمانيةء لكننا غجد من المفيد ذكر ما أبرزه الدكتور عبد القادر زغل من حقائق تاريخية فيما يخص الدولة العشمانية بشكل عام والتجربة التونسية بخاصة. یذکر زغل « أن السنوات العشر ما بین ۰ ۱۸۵م و ۰٣۱۸م كانت تتميز بانطلاق الغرب في استراتيجية زعزعة استقرار جميع التشكيلات السياسية غير الغربية» ويشكل خاص الامبراطورية العشمانيةء المغوليةء واليابانية. لكن الامبراطورية العشمانية كانت الأكثر عرضة لذلك عسكرياً وثقافيا نتيجة التاريخ الطويل من التداخل والتبادل بين
1۹
ضفتي البحر الأبيض المتوسط ». وبخصص زغل المشال التونسي للدلالة فيقول: «مارس القناصل ضغوطات شديدة على الباي» ليس فقط من أجل إعلان ارتباط شغوي بنموذج دستوري ليبرالي» بل أصروا على التطبيق الدستوري للمبادئ التي تزيل العقبات أمام خضوع المجتمع التونسي لحاجات الاقتصاد الرأسمالي. فقد كان نائب أميرال فرنسي هو الذي طلب من الباي في العام ۷١۱۸م ويمؤازرة أسطول بحري مؤثر بالنسبة إلى البلد الصغير تونس» أن يتبنى وينفذ الإصلاحات الآتية: إنشاء محاكم جنائية تتولى النظر في أي خلاف ينشأ بين اليهود؛ إنشاء محاكم تجارية مختلطة؛ المساواة المدنية والدينية بين جميع مواطني الباي؛ الحرية المطلقة للتجارةء حرية جميع الأوروبيين في مارسة أي نوع من النشاط الصناعي؛ السماح للأرروبيين بالتملك» وما سبق يتضح لنا أن تغريب البنية القضائية للامبراطورية العشمانية جاء
نتتيجة توفر عوامل ثلائة: الحاجة لتطوير فقه الشريعة» وتواطؤ السلطان. والضعط
OA)
الأوروبي.
۲
الفصل الخامس جذور الفكر القومي التركي في المصدرية
ارتبطت القومية معناها الحديث وفي سياق التاريخ البشري بأوروبة منذ البدايةء فهي التعبير السياسي لنشأة الأمم الأرروبية ولتأسيس دولها. وقد أثارت الفكرة القومية في أوروبة جدلا كبيرا في أوساط المفكرين الغربيين» وقسمت إلى أصناف» وقيل بالقومية الخيرة والقومية الشريرة.. الخ. وتطورت الفكرة باتجاهات عدة. فارتبطت القومية بالديمقراطية تارة وبالوطنية أخرى» كما ارتبطت بفكرة الأمة أيضا. حتى أن روسو في منتصف القرن الثامن عشر» قد جهل من النزعة الوطنية مرادفا للقومية» قبل أن يدخل مصطلح القومية حيز الاستخدام المتماسك. عرف روسو النزعة الوطنية على نحو يجعلها تتفق مع السلوك الأخلاقي. ولم يكن هدف النشاط السياسي وقانونه في نظريتة هو تكبير الدولة. إنا رفاهية الشعب على النحو الذي تحدده الإرادة العامة. وكانت قومية عصر التنوير في جملتها عقلانية أكشر منها انفعاليةء على الرغم من علو نبرة «وطنية» روسو. ولكن نوعا آخر من القومية نشأً في نهاية القرن الغامن عشرء وكان يقوم على أساس من الشقافة والتقاليد ودخل فيه أيضا فكر الأخير. إذ كان روسو قد طور التناقض بين البدائي والمصطنع» فيما أعطى لأرلهما معاملة أفضل. وقد الحقطت هذه الفكرة وطبقت على الأمة على يد القوميين الرومانطيقيين الألمان الأوائل مثل هيردر وفيخته» وهؤلاء قالوا أن الأمة هي من صنع الطبيعةء ولهذا فهي شيء مقدس “.
عرفت أوروية الفكرة القومية إذأ في القرن الثامن عشر, وانتشرت المفاهيم القومية التي قال بها روسو وهيردر وفيخته. إن هذا التحديد لنشأة الفكر القومي يجد إضافات لدى كليرنس برنتون الذي يؤكد على أنه لم تظهر الفكرة القرمية في
YY
أوروية فجأة. فأصولها تعود إلى القرون الثلاثة من العصر الغربي الحديث بين عامي ٠ ٠٠و٠ ٠۸م. وقد تعززت إبان الشورة الغرنسية"“*'.
تعرضت الفكرة ألقومية إلى نقد شديد من فرقاء سياسيين مفكرين عديدين؛ فقيل بأنها تتناقض رالأخلاق لأنها كما رصفت (غير أعغية الهدف أو عنصربة أو لا إنسانية) أو غير عالمية كما يقول موري كرانستون: القومية لا هكن أن تكتسب طابعا عالميا لأنها تفتقر إلى البعد الأخلاقي الذي يفترض أن جميع الأيديولوجيات قلكه """. أ كما تقول باريرا وارد: إن القومية لم تقدم ردا كافيا على مشكلات التضامن الإنساني لأن طبيعتها الجوهرية أن تترك الناس الآخرين خارجيا“*'. ويضيف آخرون أن القومية كانت مبررا للتوسع؛ فطبقا لما أورده خضوري فإن الفرنسيين عندما أدخلوا مبدأ القومية في السياسات الأرروبية في نهاية القرن الغامن عشر؛ بدأوا يناضلون من أجل مبدأ... فقد كانت حروب تابليون حرويا خاضها من أجل مبدأً"". وهذا الرأي يؤكده برتتون بقوله «شهد الغرب تطرفا في تفسير هذه الفكرة تمشل في العصور القومية العديدة التي ترفع مجموعة قومية إلى مرتبة السيادة وتهبط بالمجموعات الأخرى إلى مرتبة العبيد» أو التي تهدف إلى إسكان الأرض كلها مجموعة راحدة مختارة. والقضاء على غيرها من المجموعات.. وليست الصررة الألمانية التي بلغت ذروتها في العقيدة النازية سوى أكثر هذه الصور شهرة»""'. ويتفق المؤرخ البريطاني أرنولد توينبي مع هذا الرأي فيصف القومية بأنها «هذا الفساد المروع الذي يسمم الحياة السياسية لمجتمعتا الغربي الحديث... وهي دين زائف ومریض... ۾" .
إن حملة النقد الموجه إلى الفكر القومي لم تهدأً داخل الغرب وخارجه أيضاء رأساسها أن قيام الدول القومية كان عاملاً أساسيا لقيام الحروب الكونية الأولى والغانيةء ذلك لأن العلاقات الدرلية بين مختلف الدرل القومية -كما يؤكد نانزمور غنثاو- هي في حقيقتها صراع لأجل القوة والنفوذ عن طريق استخدام القوة ولأجل امزيد من القرة """. رغم ذلك فإن هوراس دافيز في سياق دفاعه عن الفكرة القومية يرد على الماركسيين والفوضويين واليمينيين وغيرهم ويرفض فكرة أن الدول القومية
£
كانت سببا للحروب لكنه يعترف في نهاية الأمر بأن «التومية ظاهرة مصاحبة للحروب أکثر ما هي سبب لها ٠»
إن الفكرة القومية إذأ وإن كانت مصاحبة للحروب فقط وليست سببها الرئيس -إذا ما سلمنا بالرأي السابق- فهي آساس تشكل الأمة وقيام دولتها القومية النازعة إلى التميز والصراع مع باقي الأمم لتحقيق مصالحها القومية. لكن الأمر ليس كذلك في الفكر الإسلامي. لأن الأمة لا تستند إلى الفكرة القومية بل إلى رابطة الإمان بالله وباليوم الآخر. وبالتالي فإن « فكرة الدولة في الإسلام مختلفة عن فكرة الدولة - القومية - الحديثة. إن هذين النوعين من الدول ليسا شيئا واحدا. وليس هناك من رابط مشترك يربط بينهما. فبينما يقيم الإسلام دولته كأداة للهدف الإلهي نجد أن الدولة -القومية تنشأً في أساسها لهدف مغاير تامأ وهو استبعاد الله وإحلال المصالع القومية مكانه... إن الطور الأسمى للتنظيم السياسي للدولة القومية هو نفسه لا يعترف بأية قيم أخلاقيةء اللهم إلا القيم الدنيوية المحضة»"""'.
تلك هي صورة الفكر القومي: نشأته الأوروبية وأنعكاساتها على مستوى النظر والعمل. متى بدا الفكر القومي يظهر لدى الشعوب الإسلامية؟ وما هي مصادر النكر القومي التركي؟ ما هي آثاره على واقع الاجتماع الإسلامي العشماني؟ تلك هي الأسئلة التي سيدور حولها وفي عمقها الحديث لاحقا.
بداية» هل كان الأتراك العشمانيون بميزون أنفسهم عن باقي القوميات المتآلفة في الدولة العشمانية؟ والجواب هو أن الوقائع التاريخية تؤكد لنا أنه لم يكن لدى الأتراك العشمانيين أي نزوع قرمي أو عرقي قبل النصف الثاني من القرن التاسع عشر. فقد عاشوا تسعة قرون متتالية في ظل الإسلام» لا انتماء لديهم إلا للعقيدة الإسلامية. حتی انهم کانوا لا بعترفون بترکیتهم لا یفخرون بها بل کانوا مسلمین قبل كل شيء. ولم تكن اللغة التركية في عهد السلاجقة مثلا تستعمل في الدواوينء كما أنها لم تكن لغة أدب أو شعر» بل كانت العربية والفارسية.
في بداية العقد الثاني من القرن الحالي كتب المؤرخ الأميركي لوثروب ستودارد يصف ما وقع في السنوات التي سبقت ظهور الفكر القومي التركي يقول: «من قبل
10
ثلاثة عقود إلى أربعة من السنين. لم يكن هناك شيء من طوالع هذه الحركة (القومية) وقد أخبرنا أرمنيوس فمباري أنه لما زار القسطتطينية لأول مرة سنة ٦م كانت كلمة تركلك (ترك) تفهم رتعد من مترادفات الفظاظة والشكاسة والهمجية. ولا كنت أقدم على تنبيه الناس إلى الخطررة العظمى التي يجب اعتبارها في شأن متحدر الجنس التركي (المنتشر من أدرنة حتى الباسفيك) كانوا يجيبونتي: ولكن بالله لا تجعلنا في مصاف القرغيز وأجلاف الحتر. .. »""". إذا كانت هذه هي الصورة العامة للفكر القرمي التركي لدى العامةء فكيف هي الحال لدى السلطة السياسيةء هل كان هناك شعور بالانتماء إلى أمة تركية؟ في هذا الإطار يذكر لنا منظر الفكر القومي العربي ساطع الحصري قاثلا: التركية أصبحت في عرف رجال الدولة وكتابها مرادفة للعامية والبدائية فكانت لا تستعمل إلا للدلالة على السوقة والسذج من الناس حتى أن بعض المؤرخين عندما يضطرون إلى ذكر كلمة الأتراك. كاتوا يردفرتها بتعبير «بي إدراك» معنى «المحرومين من الإدراك»""'.
تؤكد ما سبق الموسوعة الإسلامية حين تذكر بأنه «حتى القرن التاسع عشر لم تكن لدى الأتراك أي نزعات قرمية» بل على العكس كان اسم ترك يعني لديهم شخصا ريفياً خشنا وثقيل الظل»""".
إن هذه الشهادات الثلاث (ستودارد والحصري والموسوعة الإسلامية) تبين دون أدنى ريبة مدى ابتعاد الأتراك عن أي وازع قومي أو عرقي أو عن أي انتماء غير إسلامي. ولكن الأمر لن يستمر على هذا النحوء فالاهتمام المفاجئ الذي ظهر في أوروبة في هذه الفترة وغزارة الدراسات التي تهتم بالعرق التركي تاريخه وجغرافيته سيعطي ثماره بعد حين في الأوساط المتلقية للفكر الفربي عموماً. وكما يحدد ستودارد فإنه ليس من الغرابة أن نرى المنازع القومية والمطامع الوطنية في الشعوب الإسلامية تنشاً في أول عهدها نشوا يعروه الإبهام والالتباس خلال النصف الأول من القرن التاسع عشر. فلم تنجل عقيدة العصبية الجنسية إلا في خلال النصف الآخر من القرن... وظهرت أيضا روح العصبية الجنسية في المصلحين الترك في منحصف القرن الماضي لتشربهم المبادئ الغربية واقتباسهم الآراء والأفكار الأوروبية في الجنسية» ما
۲7
كان السبب في ظهور العصبية الجنسية فيهم قبل ظهورها في سواهم من الشعوب الإسلامية 4
في المتأسيس النظري
جدل الفكرة القومية لم ينته ولن ينتهي ما دامت الفكرة مؤثرة في الفكر السياسي الإسلامي» والشواهد التاريخية تذهب -كما سبق وبينا- إلى أن الفكرة القومية لم بدأ أولى تأثيراتها في الغضاء السياسي العشماني إلا في الربع الأخير من القرن التاسع عشر. ولكن التأسيس النظري للفكر القومي التركي كان قد بدأ قبل ذلك بكثير. وقد أثمرت جهودنا في التنقيب عن أركان هذا التأسيس وأعلامه ودوافعه إلى حقائق ني غاية الأهمية؛ نتج عن تصنيفها وجمعها رأي تدعمه الوثائق يقول: أن الفكر القومي التركي عمل من أعمال الأثنولوجيين الغربيين واليهود.
بعيداأً عن الحملات الاتهامية الأيديولوجية التي تعلق على مشجب الغرب والصهيونية كل مظاهر الانحطاط والتخلف والتجزنة في عالمنا الإسلامي» فإن الكشف عن هذه المصدرية الغربية يفسر في جوانب كثيرة إخفاقات التجارب القومية في بلدان العالم الإسلامي بعد انهيار منهوم ديار الإسلام في الريع الأول من هذا القرن.
ففي النصف الثاني من القرن الشامن عشر بدأ الأثنولوجيون الغرييون اهتماماتهم الأولى بالأتراك. فقد ظهرت في وقت متزامن تقريبا دراسات توجه الأنظار إلى أهمية العرق التركي في بلدان أوروبية عديدة: فرنسة. ألانية» المجرء* روسية وإنجلترة. حيث وضع المؤرخ الفرنسي ج. دغين عام ١۷۵م كتابا عن التاريخ العام للهون والترك وا لمغول وبعض التتار الغربيين''". وقد أصبح هذا الكتاب» فيما بعد أحد أهم مصادر الفكر القومي التركي وكان ملهماً للجيل الأول من القوميين الأتراك
* أراد المجريون أن يقغوا في وجه التيارين القوميين اللذين يحدقان ببلادهم وهما تيار الجامعة الألمانية وتيار الجامعة الصتلبية فشجهوا لذلك فكرة الطورانية. انظر: أحمد السعيد سليمان. التيارات القومية والدينية في تركية المعاصرة. القاهرة: دار المعرفة. ۱۹٩۱ ص٣۲.
\¥
الذين أرشدهم الكتاب إلى الوحدة العرقية التي تربط الهون والترك والمغول والتتار المنتشرين على أراض واسعة جدا في آسية وأوروبة. إن أهمية هذا الكتاب تكمن في كونه قد كشف عن الأسس التاريخية التي يكن أن بقوم عليها المشروع القومي الترکي. ومع الوقت بدأت معالم المشروع القومي تتضح أكثر فأكثر» حين وضع اليهودي الإنجليزي دافيد لوملي الأسس اللغوية للتركية وذلك من خلال نشره كتابه: قواعد اللغة التركية" ". هذه اللغة التي لم تكن حسب الكتأاب والمؤرخين المهتمين لغة أدب أو شعر. أصبح لها بفضل لوملي قواعد ثابتة.. ريعد هذا الكتاب أصبح واضحاً أن توفر تاريخ للترك ولغة يستدعيان بالضرورة الانتماء إلى أمة ووطن حتى يشكلا القاعدة والهدف معا لوحدة شعوب الهون والمغول والتتار والترك. وهكذا كان فقد ظهرت في الأدبيات الغربية أسماء « قوم طوران» و «قومية طورانية» وكما أورد الکونت تیلکي ))٥۳١ ۲٣!۲۸1( فإن مفردات مشل «طوران» و «طورانية» التي ظهرت للمرة الأولى في المجر عام ۱۸۴۹م كانت تدل على وصف لوطن مثالي يضم كل الطورانيين"'. وإذا ما توخينا الدقة في هذا الشأن فإننا نؤكد على أنها لم تكن تلك المرة الأرلى التي يستخدم فيها الأوروبيون مصطلح «طوران» فقد سبق أن ورد المصطلح في كتناب هاربلوت «المكتبة الشرقية» الذي صدر في باريس عام ۱1۹۷م» وحيث أن هذه الموسوعة الشرقية قد اعتمدت كليا على المراجع الشرقيةء فقد استعار هاربلوت مصطلح «طوران» من الجغرافي الإسلامي الفردوسي*الذي أشار إليه من حيث هو ×المقصود هنا هو المؤرخ الشاعر أبو القامم الفردوسي (۳۲۹-١١٤ه) صاحب «الشاهنامة» وفيها يححدث عن التورانيين فيقول «وهم أمم الشمال الهمجية كانت منذ أقدم الأزمنةء وبال على إقليم إيران المتحضر». قامت دولة الإشكانيين في القرن الشالث ق. م. وهم توارنيون.. وكانت حدود الدولة من هند كوش إلى بحر قزوين.. واستقروا شرق إيران حوالي سنة ٠٠٠١ ي. م. ثم انتشروا في شمال الهند الغربي.. ونزلت جماعة منهم في واحات سمرقند والسند» وتحضروا على مر الزمان. وهم الذين سموا الهرن الأبيض. وفي مننصف القرن السادس المبلادي عرف اسم الترك (تركير) في التاربخ وامتد سلطانهم على أواسط آسيا. وني المصر الإسلامي قامت منهم الدولة الغرنوية ودولة السلاجقة.. انظر: الفردوسي» الشاهنامة» ترجمة الفتح البنداري
طهران: مكتية الأسدي ۱۹۷۰م ص .۸١ ۸٠
1۲A
41
EN Ch goer: (Fra: rEg (gh (TTY (YY AF ON
|o HIT mip of ep rm (fe Cerro fF AT PF A (A N I: e
my (A CC A MAE r AP Ke erer ATS r jêr | Ce (r
Tyr — jt) AF Fg | (© RT HD ge RII? mer IKE j ry rr (f PT og e Hof gep f daney Kemo f MID — Ff ar per fmf
gy pq agir AO Cg ar oO he (hier a erte | Cpr 7" ef rey JT KT ere gy AFT IT FE a e r f an e ry rp CD r Ceger wpe hgh egy eC gh gf ray ۰ | FES |p ern grt r Oy AT RP fy RRA ry Cpl r? Ce |g f nep frm. r re 7O perp O hino air (a * rer IPFETY Fp {E fC nep riy || frag o e | CP (ry i’ KP O Ceres jkr f Fer FY MP f rn (ri2: er iro ash TF wo Fer |r | fers TY | SY | ren r A FFD IITA IRE 2 |g |S If oro rer: Tr f pf r rag ge © ef INA AS Nec TP rr IY a Ir f | rne rer cr f e pey rey (rq C9 O gre erv fre (r Fr jA < f ITTY Ê i re 7 | ITY Ê g7 FY |6 mfr IRE ® 4q» | |2 r~ (uesung) ° 30¥ Ars pare |r |r | CECE rf (f SY ferah O je dry fF RR rar: (f riy |6 gry ge jad py fm r IO An gar r a pe jP (e (RP eo. TF FI TT |
الاتحاد عن مصالح حيوية لبريطانية التي سرعان ما اعتمدته لكونه يشكل نقيضا للامبراطورية العشمانية وللنفوذ الروسي. وكما يوضع ذلك الدكتور أحمد سعيد سليمان بقوله «كانت هذه الأيديولوجية (البان توركيزم) من صنع المستشرق المجري فاميري بین ۸٦۱۸م حتى ٤۱۸۷م وتبناها الإمجليز فعملوا على تكوين كتلة عنصرية من الأتراك العشمانيين وأتراك الشرق ليحطمو! بها النفوذ الروسي المتزايد في آسية الوسطى. ولكن الإنجليز ما لبثوا أن غيروا سياستهم» بل ما لبثوا أن أيدوا سيطرة الروس على أتراك آسية الوسطى. لأنهم من ناحية كانوا يطمعون في أن تصل يضائعهم إلى هؤلاء الأتراك بطريتق آسية» ولأن علماء الدين من ناحية ثانية روا في تغلغل روسية القيصرية في تلك المناطق نصرا للمسيحية» ولقد بدأت الكنيسة الإغجليرية تتعاون فعلا مع الكنيسة الأرثرذكسية على نشر المسيحية في تلك الجهات"". وكما هو واضح فالاستعمار يوظف بسرعة أي إمكانية متاحة له في سبيل وقف التأثير الإسلامي سواء ببث النعرات العرقية وتشجيع النخبة للعمل على تحقيق الاتحاد التركي أو العمل ضده إذا توفر البديل الذي يضمن مصالحه وخططه للتبشير الديني» ولو كان ذلك بالتعاون مع متافسته روسية القيصرية.
ولكن دوافع فامبري تختلق عن دوافع الإلجليز في هذا الشأن وإن كان موقفهما من الدولة المثمانية واحدا ولا يختلف. وعليه فقد استمر في دعاواه مضیغا لها انتقادات حادة للإسلام الذي اعتبره العائق الأساسي أمام وحدة الأتراك. فقد كتب يقول أن الإسلام ينافي الوطنيةء وهو «لا وطن له ومن العسير أن تبنى الأوطان وفقا للاسلام». لذلك ينصح فامبري القوميين الأتراك بضرورة التخلي عن الإسلام لأنه ينزع عنهم الشخصية القومية“". وقد ترده في أوساط النخبة العلمانية التركية» فيما بعد وبالذات أعلام الفكر القومي التركي مثل ضياء كوك آلب ويوسف أقشور وأحمد غايف وخالدة خانم وغيرهم هذه المقولات متبنين نظرية فامبري. وقد ظهر ذلك واضحا في توجهات القوميين الأتراك. وعبروا عنه في مرحلة لاحقة في صحفهم المعارضة الصادرة خارج البلاد وذلك قبل عهد المشروطية عام ۸١۱۹م الذي حملهم إلى السلطةء فأصبحت الدعوة الطورانية في السنوات التي تلت ذلك الأيديولوجية الرسمية للدولة
فأضعفت بنيتها الاجتماعية وا مؤسسية وفرقت قومياتها بل أدت في نهاية الأمر إلى خراب الامبراطورية ونهايتها.
حري بنا أن نتسا ءل إذا كانت الصدفة قد دفعت اليهودي دافيد لوملي للكتابة عن قراعد اللغة التركية. وصدفة ثأنية هي التي دفعت فامري للكتابة عن التاريخ القومي للأتراك. وللشنظير لإقامة وحدة قومية تركية فيصبح بذلك أحد أهم مصادر الفكر القومي التركي. وليس من المنطقي الادعاء أن صدفة ثالفة دفعت يهوديا فرنسيا آخر للبحث في تاريخ الأتراك في تلك المرحلة بالذات. ومع ذلك «فقد وضع المسيو ليون كوهين كتابا تاريخيا عن آسية الأتراك في منغولية وأصلهم منذ عام ۵.,.. وقد صدر الكتاب سنة ١۱۸۹م» وقد أفاض المسيو كوهين في وصف المزايا العسكرية الطورانية ولكنه لم يذكر شيا عن فظائعها. وبا أن الجمعية العلمية الفرنساوية قرظته بالعناية فقد حل عند الاتحاديين مكانا رفيعاء فنقلوه إلى التركية بعبارات بالغوا فيها ما استطاعوا ولم يلتفتوا البتة إلى صحة بعض الأحكام والآراء المذكورة في الكتاب بل عدوا ذلك أمرأ ثانويا بالنسبة لخطتهم المرسومة"'". وكتاب كوهين هذا هو «مقدمة في تاريخ آسية». وقد تمت ترجمته إلى التركية على يد جيب عصاں ''۔
كان للكتاب مكانة خاصة لدى أعلام الفكر القومي التركي» الذين اعتبروه مرجم أساسيا لكل أدبياتهم الفكرية القومية ومرشدألهم في العمل» فقد تأثر به ضياء كوك آلب وقال عنه «إن کتاب کوهین کان أول كتاب تأثرت به عند وصولي إلى استانبول قادماً من سالونيك »""". كما تأثر به الدكتور رضا نور الذي نقل عنه الكثير لكتابه تاريخ الترك. وقرا الدكتور ناظم بك سكرتير جممية الاتحاد رالترقي العام كتاب المسيو ليون عن تاريخ الترك وا مغول ووضع وفقا لهذا الكتاب أساسيات النهضة الطورانية""". حتى أن الموسوعة الإسلامية عندما ذكرت العرامل التي ساعدت على ظهور الحركة القومية التركية وهي في نظرها أربعة أوردت كعامل ثالث التقدم الذي حدث في الدراسات القومية التركية التي وضعت أسس لغتهم وأضاءت لهم تاريخهم القديم» وأشارت بشكل مباشر وخاص إلى الخأثير الذي أحدثه كتاب ليون كوهين»
۱۳۱
الذي شكل عملي الوعي القرمي لضياء كرك آلب إلى جاتب الكتب الأخرى مشل: كتاب المؤرخ دغيني واللغوي دافيد لوملي بالإضافة إلى نشاطات البروفسور الألماني مارتن هارتان الذي حاول من خلال محاضراته في المنتدى التركي (ترك درنكي) أن يضع أسسا لتوحيد الشعوب التركية""".
ويشاء قدر الأتراك أن تتكالب عليهم الصدف التاريخية التي غالبا ما تكون مدهشة جدا إذا ما تكررت مرتين فكيف بأريع» نعم صدفة رابعة بثابة معجزة تظهر بصيغة بهودي رابع وهو «موسى كوهين» فقد ظهر في مرحلة متأخرة. أي في خضم الصراع الحاد بين تياري الرابطة العشمانية والرابطة القومية التركيةء حيث عرفته الأوساط القومية التركية كاتباً لامعا وهو «تكن آلب» الذي تشر عشرات المقالات التي يدعر فيها إلى الوحدة القومية التركية وبراها الأكثر ديومة وصلابة من أية وحدة أخرى» وقد توج نشاطاته هذه بكتاب قرمي أساسي وهو الأنراك والجامعة التركية “". ولكن الأتراك الذين تأثروا بأفكاره وتبينوا نظريته لم يعرفوا أنه يهودي ألاني تنكر باسم تركي طيلة ذلك الوقت» ولم يكشف عن اسمه الحقيقي إلا في مرحلة متأخرة. ولقد أوردت اسمه الحقيقي والمستعار الموسوعة الإسلامية طبعة باريس عام NAE
تأسيساعلى ما سبق ينضح لنا أن الكشف عن انتماء الأتراك إلى جنس طوراني يضم إلى جانبهم المغول والهون والفين في رقعة جغرافية كبيرةء ووضع قواعد للغتهم التركية» والتأكيد على أهمية وحدتهم القومية ومقوماتها التاريخية هو عمل من أعمال الأثنولوجيين الغربيين ساهم في تأسيس أركانه يهود من فرنسة وإنجلترة وألمانية والمجر ودعمت حكومات هذه الدول هذه الجهود وعملت على نشرها في أركان الامبراطورية الإسلامية بكل الوسائل.
وقد كان للانتشار السريع للأفكار القومية التركية أثره» ويخاصة كتب اليهوديان كوهين وفامبري الأمر الذي أدهش المؤرخ الأميركي لوثروب ستودارد فكتب يقول «كان لأعمال هذين العالمين العظيمين فامبري وكوهين أكبر دوي في أنحاء العالم» فطفقت كتب فامبري وزملاته تنتشر في كل بقعة من بقاع العالم الطوراني
۲۲
الجديد انعشارا سريعاء فأقبلت عليها المقول الهانجة المتأهبة للتجده والارتقاء ثم سرعان ما نشبت طوالع الحركة الطورانية تظهر وتتكاثر في أقطار مختلفة»""".
إن انتشار الفكر القومي التركي بالسرعة التي أشار إليها ستودارد يعود في نظرنا إلى عوامل عديدة داخلية وخارجية تقف على رأسها الانكسارات التي واجهها العشمانيون في أوروبة من ناحية» والانتصارات التي حققتها الحركات القومية الأوروبية من ناحية ثانيةء ناهيك عما قدمته الأنظمة القومية الأوروبية من مكاسب تمثلت في تحديد السلطات وإقرار الدساتير التي تضمن حقوقا كثيرة للشعب» في وقت يعاني فيه العشمانيون من الاستبداد والاستغلال. وقبل هذا وذاك هناك الضغوط الأوروبية على الامبراطورية العشمانية وتدخلها الدائم في الشؤون الداخلية من خلال المؤسسات الحديشة التي آقرت اعتبارا من عام ۱۸۳۹م وكذلك من خلال دوائر البريد التي سيطرت عليها هذه الدول داخل الامبراطوريةء وتستخدمها لتوزيع واسع للصحف القومية المعارضة ولكل ما يطبع في مصر وأوروبة.*
ويتفق المغكر القومي العربي ساطع الحصري مع تقدير ستودارد السالف الذكر مضيفا له بروز توجه خطير لدى القوميين الأتراك نتيجة تأثرهم بالكتابات الغربية ذلك أن المؤلفات القومية الغربية تلك كانت تركز دوما على تاريخ الترك قبل الإسلام. فقد وجد بعض الكتاب في تلك المؤلغات مباحث عديدة تبرهن على أن الأتراك كانوا متقدمين في الحضارة تقدما بيناًء قبل ظهور الإسلام أيضا. ولذلك صاروا يقتبسون منها ما يتعلق بتاريخ الأتراك السابق للاسلام» والمستقل عن الإسلاء"".
ولقد جح الأئنولوجيون الغربيون في عملية ربط تاريخ الفكر القومي التركي منذ البداية مرحلة ما قبل الإسلام» وهكنا أريد له أن يكون. وإلى يومنا هذا فإن الكتابات الأوروبية عندما تتعرض» مغلا. لمكونات الخقافة التركية فإنها تذهب أولا وقبل كل شيء إلى تاريخ الأتراك قبل الإسلام أي إلى المرحلة التي سبقت وصولهم إلى
*# كانت مؤسسات البريد في الدولة العشمانية ملك للدولة الأجنبية وموزعة على الشكل التالي: اللمسة
۰ مركزاء روسية ۲٤ فرنسة ٠٠١ إيطالية ۸. ألانية ۵ إنكلترة .٤ الهند .١ انظر: السلطان عبد الحميد الثاني. مذكراتي السياسية. بيروت: مؤمسة الرسالة, ۱۹۷۷, ص۸۹.
۲۲
الأناضول“". وهذا لا يعني أن القوميين الأتراك كلهم قد وافقوا على تجاوز المرحلة الإسلامية بل على العكس من ذلك فقد كتب القوميون الأرائل في أغلبهم بوحي إسلامي تاريخ بلادهم» كما سنرى لاحقاء غير أن التأثيرات الفربية كانت تعمل عملهاء ومع الوقت أصبحت مترسخة في الفكر والسلوك للقوميين الأتراك. الأمر الذي سهل فيما بعد عملية التحول الخطيرة لمصطفى كمال أتاتورك باتجاه القومية العلمانية.
وبالإجمال يمكننا القول بأن الكتابات الأوروبية قد فتحت أفقين أمام القوميين الأتراك:
- الأنق الأول هو العمل لإقامة امبراطورية تضم شعوبا أطلق عليها الإنولوجيون الغربيون «الأورال- الطايك» وتتكون من أتراك آسية الوسطى وإيران والتتر والهنغار والبلطيق وسكان سيبرية والمنشوس في شرق آسية والفتلنديين» ولقد تبنت هذه الأفكار ودعت إليها الحركة الطورانية.
- الأفق الثاني هو الاكتفاء في المرحلة الأولى بتأسيس دولة قومية تركية قوية تكون القاعدة الأساسية للانطلاق نحو دولة طوران الكبرى» على أن تقوم هذه الدولة القاعدة بالتخلص من كل ما يربطها بالإسلام ونظمه الاجتماعية والشقافية والسياسية والاقتصادية» بدعوى غربية مفادها من ناحية أن الأتراك ينتمون إلى ا لجنس الآريء وهم جنس أرقى من الساميين. ومن ناحية ثانية فإن الإسلام مرادف للتخلف» وهو المسؤول عن الانحطاط الذي يعانيه الأتراك ولا خلاص لهم إلا بوحدة جنسهم الراقي والابتعاد عن الإسلام. ولقد تبنت جمعية «وطن»* التي تضم مجموعة من العسكر على رأسهم مصطفى كمال أتاتورك السير بهذا الاتجاه والقطيعة مع العالم الإسلامي والالتحاق بالغرب.
# جمعية سرية أسسها عام ۱۹۰٦ رئیس اول رکن یدعی مصطفی کمال وامتد تشاطها بين الضباط من مقرها في سولائيك التي تسكنها أغلبية يهودية (عدد سكان سولائيك ٠١١ ألف نسمة منهم ٠٠٠١ ألف يهودي
حب إحصاء .)1۹٠۹
الانعكاسات وبدايات الكتابات القومية التركية
في النصف الثاني من القرن التاسع عشر بدأت الكتابات الأوروبية تجد من يرددها محليا حين بدأ جيل قومي تركي يکتب متأثرا با قرأه. فقد لوحظت التأثيرات أولاً في الوسط الأدبي العشماني بغعل الانفتاح على الغرب عقب مرحلة التنظيمات وتلقي ثقافته في المدارس العشمانية الجديدة أو مدارس الإرساليات» أو بفعل الوجود ني الغرب كما هي الحال بالنسبة لأبرز رموز الأدب العثماني في ذلك الوقت (شناسي وتلميذه نامق كمال وضياء باشا الذين عاشوا في فرنسة) حيث تأثروا بالآداب الأوروبية. بل بالآدب والتاريخ والسياسة حتى أن مفردات مشل: الوطن والوطنية والبر لمان والحرية والمساواة والدييقراطية والدستورية.. الخ قد بدأت ترد مرارأ في النتاجات الأدبية والسياسية في ذلك العهد تمشلا با كانت تطرحه تيارات الأدب الفرنسي من موضوعات سياسية آنذاك.
إن أشهر أدباء الأتراك حينذاك هو شناسي (١۸۲١-١۱۸۷م) الذي أقام في فرنسة مدة ست سنوات ۵-٠۸٤۹( ۱۸۵١ء) وتأثر كثيراً بثقافتها وحياتها الاجتماعية والسياسيةء فكان أول من أأسس جريدة عشمانية خاصة عام ٠٠۱۸م كما كان المحرر الأساسي منذ عام ۱۸١١ لأكبر جريدة أدبية وسياسية مستقلة (على النمط الفرنسي) وهي « تصوير أفكار»» ولقد اتسع بث الثقافة الحديثة في وسط المشقغين منذ عام ۱۸۹۱م بواسطة مجلة «سيرفتي فنون (الفنون الوطنية) » التي أسسها أحمد إحسان "". لقد مشل شناسي المرحلة الأولى في عملية بث تيارات الشقافة الغربية في أوساط النخبة العشمانيةء فواصل تلاميذه من بعده الهمة بحماس قومي أكبر.
ومن المعروف أن التأثيرات الغربية على الأتراك لم تكن - في بداياتها على الأفل- متغربة في سياقاتها وأهدانها. فقد كانت محتفظة بأصالتها العثمانية. أما وطنيتها فهي وإن كانت مقتبسة عن الغرب غير أنها كانت وطنية عشمانية هدفها
الدفاع عن الإسلام دون الانغماس في الروح القومية التركية التي شاعت بعد ذلك. فإذا تناولنا أعمال الشاعر المشهور نامق كمال مثلأ والذي يمتبر أبو الوطنية في العالم العشماني في تلك الفترة بالذات فإنه -حسب ما أورده ساطع الحصري - كان يهدف إلى استثارة الروح الوطنية العشمانية المبنية على الحمية الإسلامية. والنموذج التالي من شعره يؤكد ذلك:
اذهبي (يرمز للوطن بالحسناء) أيتها الوطن تدثري بالسواد في الكعبة.. ثم ابسطي إحدى ذراعيك إلى روضة النبي ومدي الثانية إلى المشهد في كربلاء واظهري على الكائنات على هذه الهيئة لا ريب في أن الخالق نفسه يعشق هذه الهيغة'"".
ولم يكن الأمر مقتصرا على نامق كمال فصديقه الشاعر الكبير عبد الحق حامد كان مشله أيضا لا يفرق بين التاريخ التركي وتاريخ الإسلام» فحين ألف مسرحيات مثل طارق بن زياد » موسى بن نصير و زينب» قال عنها في المقدمة أنها شخصيات وطنية انتخبها من التاريخ القومي لتبيان أمجاد الأجداد ولكنها كما هو واضح كانت مستنبطة من تاريخ الأندلس. وهكذا فقد كان التاريخ القومي بالنسبة له هو التاريخ الإسلامي وليس التركي""". ولكن هذه التوجهات العشمانية لن تستمر طويلاء فاستمرار التدهور الحادث في الامبراطورية العشمانية سياسيا وعسكريا والاستبداد الذي يمارسه السلطان باسم الإسلام قد أقلق وأرهق المفكرين المسلمين الذين بدأوا يعتقدون أكثر فأكشر بضرورة الأخذ با لمذاهب الليبرالية والقومية كأسس رشيدة لبتاء الدولة الحديثة القوية» وهو ما يبعدهم عملياً عن إمكانيات التجديد والإصلاح الداخلي القائمة على استنباط الحلول الإسلامية. لذلك فقد تطور الحماس للشعور القومي ليكون. مع الوقت اتجاهاً سياسيا يضع الأولوية التركية قبل غيرها وينادي بالوطنية التركية متجاوزا الإطار العثماني الإسلامي. فقد وضع نامق كمال روايته الميلودرامية «وطن ياهوت سلستريا» عام ۱۸۷۳م وقد انتشرت بدرجة هائلة على أثر منع السلطان عبد الحميد لهاء بين الطلاب في المدارس العسكرية حيث كانوا يهربون نسخها تحت سمع المدرسين وبصرهم""". وكان نامق متأثرا بليبراليي باريس ولتدن وعلى الأخص روسو ومونتسكيوء وكان يقول بضرورة اقتباس التقدم الأوروبي
۲7
لأنه مستقى أساسا من القيم الإسلامية التي علاها الغبار""".
أما ثالث هذه المجموعة بعد شناسي ونامق كمال فهو الشاعر ضياء باشا الذي كان سباق إلى إظهار نزعاته القومية بنبرات عالية» فقد كتب قصيدة يستنكر فيها الاقتياسات اللغوية عن العربية والفارسية؛ ويدعو من يستخدم العربية أو الفارسية للذهاب إلى هذه البلدان. ويخلص إلى القول: نحن أتراك» فينبغي أن يكون لنا لغ تركية. وكانت هذه الدعوة بداية لانتشار هذه الفكرة ولانبشاق لجان عديدة لتطوير اللغة التركية عرفت باسماء عديدة مشل: تبسيط اللفة» تصفية اللفة» تتريك اللفة“"'".
إن الغقافة التركية أو بالأحرى العشمانية وحتى ذلك الوقت اعتمدت أساسا على الآداب العربية والفارسيةء نظرا لأن اللغتين (العربية والفارسية) كانتا لغتي العلم والأدب» ولا مناص من استخدامهما في الوسط الشقافي والعلمي. لكن لجوء المريد من المغقفين الأتراك ,اما الى المدارس الأوروبية أو إلى الدول الأوروبية وتهلهم من ثقافتها وتأثرهم بتياراتها القومية وبالكتابات الأوروبية واليهودية عن تاريخ الأتراك ولغتهم. كل هذه المستحدثات والمؤثرات الضاغطة على الفكر التركي فححت الأبواب مشرعة لشروخ لن تلتئم في الجدار العثماني الهش» وإذا ظهر الشعور القومي التركي أول في الأدب والشعر فإنه سرعان ما اتسعت دائرته لينتشر في الأبحاث التاريخية العشمانية نفسها. وليأخذ مكانه في السياسة والحكم فيما بعد.
ففي عام ٦مم نشر المؤرخ والسياسي العشماني أحمد وفيق باشا -١۸۲۰( ),٠ - إلى جانب ترجماته لأعمال فولتير وموليير وشيللر وشكسبير- أهم تصانيفه وهو «لهجة عشماني » وهو معجم في مجلدين ضم الأول منهما العناصر التركية في لغة الترك العثمانيين» كما ضم الثاني العناصر العربية والفارسية في هذه اللغة""". أثبت في قاموسه هذا أن اللهجة العشمانية فرع من اللغة التركية العامة ووازن بينها وبين اللهجات التركية الأخرى» وفي الفترة نفسها ترجم كتاب «شجرة تراكمة» ويعد ذلك مباشرة نشر سليمان باشا كتابه «صرف تركي » مستنكرا التسمية بالعشماني ومشيدا بالأمة التركية""".
¥
وقد كان للأعمال الأدبية أثرها العميق في صغرف 'لشباب والمشقغين. فقد ظهر في أواخر القرن التاسع عشر شاعر وهو محمد أمين بيك لمع نجمه إبان الحرب التركية اليونانية عندما نشر ديوانه «توركجه شعر لر (أشعار تركية)» عام ۷م راشتهر بإحدى قصانده التي يقول فيها:
«أنا تركي. ديني وقوميتي التركية راقيانء قلبي غلوء بالتاع '"" .
بدأ التيار العشماني ينزع في بداية الأمر نزوعا تركيا ويقول بأن الأتراك أمة مشل باقي الأمم رأن لهم لغتهم وتاريخهم» لکن ذلك لا یکون على حساب انتمائهم الإسلامي» فهم مسلمون أولا وأتراك ثانياء ولقد تم تصنيف هؤلاء بدعاة القومية العشمانية الإسلاميةء ولكن نزوعهم القومي هذا لم يقتصر على هذه الحدود بل تعداها. ويسجل ساطع الحصري بداية الانحراف عن الرباط العشماني بقوله: إن أول من أثار مسألة بناء الدولة على أساس العشمانية أو الإسلامية أو الطورانية كان يوسف أقشور وكان من أتراك روسية درس في جامعة أورنبورغ في روسية ثم واصل دراسته في مدرسة العلوم السياسية في باريس. وكان يدعو إلى أهمية القوميات في توجيه السياسات» وقد كتب رسالة نشرتها جريدة «ترك» التي كانت تصدر في القاهرة دعا فيها الكتاب والمفكرين إلى بحث هذه القضايا الأساسية. ولقد جمعت المقالات التي نشرت في الجريدة بكراس تحت عنوان « ثلاثة أساليب سياسية»""". وكانت هذه اللبنة الأساسية للفكر القومي الطوراني الذي بدا منذ هذه اللحظة يتطور بشكل مدهش ليكتب نهاية مأساوية لآخر امبراطورية إسلامية.
1A
الق اتاد سياسة التتريك
« غلبة الدعوات الطورانية على حساب الرابطة العشمانية » بدأت الحركة الطورانية أول الأمر بالظهور في روسية على ضفاف الغولكا بين التتار وبعد ذلك في القسطنطينية. ففي بلاد تتار روسية. الذين خضعوا للحكم الروسي طيلة أريعة قرون» ومع ذلك بقرا محتحفظين بوحدتهم الدينية والعرقية» ظهرت في بلدتي قازان واستراخان عام ۱۸۹۵م أرلی طلاتع الحركة الطورانية. وعند هجرة بعض قادة هذه الحركة إلى الخارج بدأوا هناك ببلورة تيار متطرف في الطرح الطوراني. ففي القاهرة كتب يوسف أقشور عام ١١۹٣م ينتقد الدولة العشمانية التي تقلص - في نظره- من امتيازات الأتراك في حين لا يعحطي الإسلام أي امتياز لغير المؤمنين وبالتالي فإن ا لجامعة الإسلامية تسمم شعور غير المسلمين» كما أنها تعاكس رغبات الدول الأوروبية ""'. وكما هو معروف فآراء أقشور وغيره من الطورانيين المتطرفين المتحالفين مع الدول الأوروبيةء والذين يرون إمكانات تغيير السلطان عبد الحميد الثاني» وتطوير السلطنة وتقدمها من خلال دعم الأوروبيين لمملهمء قد لا توافق الأماني الحقيقية للتتار المسلمين التي وصفها أنور باشا بقوله: إن أنفس الترك والتتر الذين يحنون إلينا في تركستان ويعقدون آمالهم بنا إنغا يحنون إلينا لكوننا مسلمين لا لكوننا أتراكا. فلو كنا من الترك الباقين على الوثنية في سيبرية ما عرفونا ولا سألوا ع "'. ولقد ساهمت الثورة الروسية عام ٤٠۹٠م وما صاحبها من إطلاق لبعض الحريات العامة. بالتعريف بالأماني الدينية والقرمية لهذه الشعوب الإسلاميةء كما ساهمت وحدتهم وتكتلهم الديني والقومي معأ في أن يكون لهم دور مهم في عالم السياسةء فقد اشتمل مجلس «الدوما» الأرل في روسية على عدد كبير من المسلمين. حتى غدا
4
الرأي العام الروسي على خشية منهم فأخذ يحمل الحكومة الروسية على أن تقلل من عدد النواب المسلمين التتر كيما يقل بذلك نفوذهم في دور الحياة الدستورية الجديد'""". ومن الجدير بالذكر أن أغلب زعماء الحركة الطورانية يتحدرون أساسا من تتار روسية مشل يوسف أقشور وأحمد بك غایف وغیرهم.
لقد ساهمت فعاليات ونشاطات الطورانيين من التتار المهاجرين في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين في تغليب التيار القومي الطوراني داخل جمعية «تركية الفتاة». وكان لهذه الجمعيةء التي تنال رعاية غربية خاصةء وسائل إعلام مهمة ومؤثرة جدأء ففي القاهرة فقط أحصى توفيق علي برو حوالي أربعين صحيفة معارضة للسلطان عبد الحميد الثاني وكلها تنطق بلسان جماعة تركية الفتاة. منها أربعة صحف طورانية صرفة مشل: «قانون أساسي» التي يصدرها محمد أمين الشاعر الطوراني؛ وصحيفة « تورك » لفوزي بك؛ وصحيفتين أصدرهما الداعية الطوراني أحمد غأيف هما: «يني فكر» عام ۵٠۱۹م وصحيفة «بيلدم» (الصاعقة). وقد اختلفت تواريخ تأسيس هذه الصحف بین عام ۱۸۹۵م و ۱۹۰۷.""'.
أما في القسطنطينية فقد تأخر ظهور الحركة الطورانية بشكل علني ورسمي حتى نجاح الانقلاب الدستوري الذي قامت به جمعية الاتحاد والترقي عام ۸٠۹٠م حيث أصبح دعا ألقومية التركية يتمتعون بامتيازات كبيرة ويتحركون بنشاط» بحكم كونهم أعضاء في جمعية الاتحاد والترقي التي تولت السلطة. وتأسس في ١ كانون الأول (ديسمبر) ۸٠۹٣م بالآستانة المنتدى التركي «ترك درنكي » وهو أول ناد تركي أسس لغاية أدبية وعلمية کي يکون في خدمة القومية التركية أو الرابطة الطورانية. ومن مؤسسيه يوسف أقشور وأحمد فريد بك وحسين جاهد وأحمد غايف والشاعر محمد أمين وأحمد مدحت وخالد ضياء. إلى جانب بعض المعتدلين مثل الفيلسوف رضا توفيق الذي اأنشق عن الاتحاديين. اشترك في أدأرة بحرث المنتدى مشاهير من العلماء المستشرقين مشل البروفسور غورلاوسكي والدكتور قره جون والبروفسور مارتن هارتان. وكانت البحوث التي تفرع هذا المحفل إلى دراستها هي كل ما يتعلق بالشعب الترکي من تاريخ ولغة وخصائص عرقية وحضارة وأدب وحياة اجتماعية وجغرافية تركية القدية'""".
1.
بعد خلع السلطان عبد الحميد عام ۹ ,ہمہ تحولت الفكرة القومية من كونها مجموعة من الدعوات لبعض الأدبا ء والمحقفين الذين يحلمون بوطن مشالي إلى سياسة ينتهجها أغلب سياسي الصف الأول في الدولة. وقد تفرغ ضياء كوك آلب عضو اللجنة المركزية لجمعية الاتحاد والترقي بعد موقر سولانيك عام ۹٠۱۹م لنشر نظريته القومية والاجتماعية على صفحات مجلة «الأقلام الشابة» التي صدرت في سولانيك» وفي عام ١مہ تأسست رسميا «الجمعية الطورانية للإعلام والعلوم». وفي كانون الأول (ديسمبر) من العام نفسه صدرت أشهر مجلة قومية تركية وهي « تورك يوردي» التي ترأس تحريرها يوسف أقشور فاستقطبت نخبة مهمة من المشقغين حولها وأعلن فيها صراحة «يجب علينا ما دام في استطاعتنا الحياة أن نعمد إلى الجيش والأسطول والملوم والآداب والشرائع والقوانين وكل شي ء فنصبغه بالصبغة التركية المحضة»"". بعدها أسس العالم التركي فؤاد كوبريلين أهم المجلات القومية وهي «توركيات مجموعة سي ». وتميزت هذه المرحلة بازدهار الأدب القومي فنشر ضياء كوك آلب ديوان شعر «طوران» الذي يقول فيه إن وطن الأتراك ليس تركية ولا تركستان» إن وطنهم هو بلادهم الكبيرة النالدة طوران. كما نشرت الكاتبة ا معروفة خالدة أديب خانم رواية سمتها «بني طوران» أي طوران الجديدة. وفيها تطالب بالعودة إلى طوران الكبرى» حيث لا بد أن تتمتع النساء بحقوقهن كاملة ومن بينها حق الانتخاب.
وهكذا شهدت نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين نشاطا قوميا کثيفا ظهر معبرا عن تحد کبير لاتجاهات كانت مقدسة في الدولة العشمانية. كمبداً تساوي الشعوب المتآلفة بالإسلام داخل الامبراطورية» فالقوميون الجدد ينادون بسيادة جنس على باقي الأجناس ويقولون بتميزه. بل إنهم شرعوا يجاهرون باحتقار الأجناس الباقية. وينظرون لسياسة تتريك ألقوميات غير التركية.
إن السلطة العشمانية أصبحت تخضع تدريجيا لمشروع القوميين الأتراك الذين انقسموا إلى فئتين رئيستين» الأولى ضمت الأتراك العشمانيين والتي تقر بضرورة توحيد الترك في العالم ولكنها تضم للقومية الإسلامية اعتبارا خاصاء وكان من هؤلاء غاسبرينيسكي وحسین زاده علي. ويرى غاسبرينيسكي أن القومية الإسلامية سد منيع يقي الأتراك من شرور المبادئ الأوروبية الهدامةء وقد عبر عن ارتيابه في قيمة
1٤4
المدنية الأوروبية. وأعضاء هذه الفئة يقولون أنهم